أثرياء نحبهم… وأثرياء نكرههم…

يرتبط الثراء في كثير من المجتمعات الإنسانية بصور نمطية سيئة، وقد يكون الأثرياء عرضة لأوصاف كالجشع والإستغلال وانعدام الإنسانية وغيرها من الصفات السلبية، وارتبط الثراء الفاحش في أذهان الناس بظواهر اقتصادية كالطبقية والفقر، وظهرت على إثر ذلك بعض الأيدولوجيات والحركات السياسية التي حاربت الثراء والأثرياء واعتبرتهم أعداءا للشعب وفي بعض الأحيان صادرت كل ثرواتهم، وسعت بعض هذه الأيدولوجيات لمجتمع مطلق المساواة كما هو الحال في الشيوعية، أو شبه متساو كما هو الحال في بعض الأنظمة الإشتراكية.

ولكن الحقيقة أن الأثرياء ليسوا سواء، فبعض الأثرياء هم فعلا أعداء للمجتمعات، وثرواتهم يكدّسونها على حساب الشعوب، وهم سبب مباشر لإفقار المجتمعات وتخلّفها وإفسادها، ولكن في الجهة المقابلة، هناك أثرياء أثْروا المجتمع، وحسنوا من حياة الناس وجعلوها أفضل، وثراؤهم هو بمثابة مكافأة من المجتمع نظير ما قدموه.

يمكننا التمييز بين النوعين من خلال معرفة وسيلة إثرائهم، فكل ثري جمع ثروته من خلال جعل حياة الناس أفضل، سواءا بجعلها أسهل وأكثر رفاهية، أو أكثر متعة، أو أكثر إنتاجية، فهو ثري يستحق محبة الناس والشعوب ويستحق كل ما كسبه، وكل ثري حصل على ثروته من خلال إستغلال حاجة الناس أو إستغلال منصبه أو راكم ثروته من خلال الإحتكار أو الفساد والإحتيال أو تجارة الممنوعات، فهو ثري لا يستحق الإحترام ولا المحبة ولا التقدير، بل حق للشعوب أن تكرهه وتمقته. ولإيضاح الصورة أكثر، سنضرب أمثلة ببعض أثرياء العالم، فبيل جيتس الذي يملك أكثر من 50 مليار دولار، تشير التقديرات أن القيمة المضافة على إقتصاد العالم للمنتجات التي أطلقها تزيد على 3000 مليار دولار. وذلك من خلال تحسين إنتاجية الأعمال وتسهيلها، أي أنه مقابل كل 60 دولار أثرى به المجتمع، حصل بيل جيتس على دولار واحد، وهو بلا شك يستحق ذلك. وينطبق ذلك أيضا على هنري فورد، وهو أول من بدأ بصناعة السيارات بكميات كبيرة لتصبح في متناول عامة الناس، فهذا الشخص مكّن الطبقة الوسطى من شراء السيارات وتحسين حياتهم بشكل كبير، وبالتالي فهو يستحق مكافأة المجتمع له ويستحق أن يكون ثريا. وكل من بنى مصنعا ووظف المئات من المواطنين، وأنتج سلعة، أو حتى افتتح مطعما يستمتع الناس بالأكل لديه، فهو أثرى المجتمع واستحق الثراء.

في المقابل هناك أمثلة واضحة لوسائل إثراء تضر بالمجتمعات والاقتصاد بشكل مباشر، فمن يراكم الثروة من خلال البنوك الربوية واستغلال حاجة الناس، فهو يزيد ثروته بطريقة لا تضيف للاقتصاد أي قيمة، ذلك لأن مخاطرته في هذه الوسيلة تقترب من الصفر، وثروته تستمر بالازدياد من دون مجهود أو مخاطرة، أو من يحتكر الأراضي الواسعة من دون أن يستثمرها أو يدفع زكاتها انتظارا لارتفاع سعرها، حتى لو كان ذلك على حساب الناس، وحتى لو أدى لزيادة معاناتهم في إيجاد أرض رخيصة لبناء مساكنهم، وحتى لو تسبب ذلك في إرتفاع الإيجارات والسلع وغالبية الخدمات، كل ما سبق أمثلة لوسائل إثراء تستنزف موارد الاقتصاد والمجتمع من دون إضافة أي قيمة، بالإضافة إلى النماذج الأخرى للثراء غير المشروع كالفساد والرشاوي واستغلال المنصب. فهؤلاء جميعا، عكس الأثرياء الذين نحبهم، بدل أن يكسبوا قليلا مقابل الكثير الذي يقدمونه، فإنهم يأخذون كثيرا ولا يقدمون شيئا أبدا.

هناك من يكره كل الأثرياء، كالشيوعيين مثلا أو غيرهم، وهؤلاء لا يعرفون الأثرياء الذين نحبّهم، وهناك من يحب كل الأثرياء، كالرأسماليين الذين ينادون بسوق حر لا يضبطه ضابط، وهؤلاء لا يعرفون الأثرياء الذين نكرههم. إن إيماننا بالقدر وتقسيم الأرزاق لا يعني سكوتنا عن تكديس الثروات ظلما على حساب الفقراء، ولكننا أيضا لا ندعو لشيوعية أو اشتراكية، فالعدالة لا تقتضي أن لا يكون هناك أثرياء، بل أن هذا هو الظلم بعينه، ولكن العدالة تقتضي أن يكون الثراء مرتبطا بشكل مباشر بمقدار إثراء الفرد للمجتمع، لأن الكل رابح في هذه الحالة. ومن نعم الله لنا أن من علينا بدين الوسطية، دين الإسلام، دين يحث على العمل والإبداع والإنتاج والتربح، ولكنه أيضا دين يحارب الاحتكار والمراباة والفساد وكل كسب غير مشروع.

تعليقات فيس بوك

12 thoughts on “أثرياء نحبهم… وأثرياء نكرههم…

  1. عبد الله الرابح

    في الصمبم..
    وعندما ترى حولك احتكار البنوك، الأراضي، الإسمنت ..الخ
    لا تملك إلا أن تكره الذين استنزفوا الناس من أجل ثراءهم.
    و جميل أنك أوضحت في الفقرة الأخيرة كي لايرميك جاهل بالشيوعية جزافا..
    دمت بود

    Reply
  2. حازم المبارك

    غلو الرأسماليين في الحرية الاقتصادية ووقوفهم ضد التدخل الحكومي هو ماأخرج لنا هذا النوع السيء من الأثرياء, فمضاعفة أموالك عن طريق القروض الربوية أسهل وأقل مخاطرة من بناء مصنع أو انشاء شركة ولاحظ الفرق بين الاثنين من ناحية الخدمة الاجتماعية والمساهمة التنموية في البلد.
    يجب أن لانتوقع من أصحاب رؤوس الأموال التصرف وفق مصلحة الاقتصاد, فالتاجر هدفه الأهم تعظيم أرباحه, يجب أن يكون هناك تدخل حكومي للحد من هذه التصرفات المضرة بالمجتمع وبالاقتصاد.
    شكرا على هذا المقال الرائع, وأعتذر على الإطالة

    Reply
  3. خالد عبدالعزيز

    اخي عصام، مقالك رائع ومنطقي.
    ولكن ما الضابط الاقتصادي حينما قلت ان الثراء يجب ان يكون بشكل مباشر بإثراء المجتمع. المستثمر في البنك الربوي مثلاً قد خلق فرص وظيفية وساهم في تدوير رأس المال داخل الاقتصاد الجزئي! كيف تستطيع ضبط هذه المعادلة؟
    المطلب لا شك في صحته، ولكن اعتقد ان إقتصاديات الدول لا تنمو بالشكل الطبيعي من دون النظام الضريبي للأعمال.  

    Reply
  4. ايمــان

    (العدالة تقتضي أن يكون الثراء مرتبطا بشكل مباشر بمقدار إثراء الفرد للمجتمع).. فعلاً كلمات جميلة

    بعض النفوس تُظهر الجشع وتضر بالغير مقابل مصلحتها فقط
    أما البعض الآخر النزيه والذي يحمل هم وطني مشترك وحس عالي تجاه الانسانية والعلم والتقدم ,, فإنه يجعل الفائدة مقدمة على الربح ..

    بلاشك حسب قانون الجذب أنا نعطي القليل حتى يأتينا الكثير
    فمن يُعطينا مما لديه تكون له أولويتنا في تزويده بمالدينا وعلى عكس ذلك المتحفظ الذي يسعى لنفسه فقط ولو كان على حساب الآخرين ..

    Reply
  5. عمر كونش

    شكرًا يا عصام
    اعتقد أيضاً انه يجب ذكر الخدمات التي يقدمها بعض الأغنياء الذين نحبهم وخصوصا في الغرب
    البعض يدعم الجامعات القريبة له بالمباني الجديدة و بالمعامل الحديثة وكثير منهم عندهم مؤسسات خيرية
    البعض يبني الحدائق
    مثال ذلك هنا مؤسسة الراجحي الخيرية وجامعه المعروف بالرياض
    رايت في الكويت بعض الأسر تتكفل بتجهيز بعض المستشفيات الحكومية
    وغيرهم الكثير

    Reply
  6. مواطن

    الغنى غنى النفس وتمام الايمان والخاتمة على ذكرالله وسوله صلى عليه وسلم هو الدنيا وكل مافيها
    اخي الكريم الثراء نعمة الله على العبد ولكن مصدر المال ماهو ومن
    اين ام الرجاء عدم السوال عن المليون الاول
    اخي الكريم بشكل النخبة الاقتصادية في البلد او رجال المال والاعمال لايوجد قانون يحكم العمل عندهم غير قانون السوق وهامش الارباح والقيم الاخلاقية تكون على قياس خاص بهم وليس كما افهم
    انا وانت من جماعة الطبقة الوسطى /عفوا لااعرف المستوى المالي عندك/وطبقة الفقراء الاثرياء عندما يسعون في فعل الخير يكون عندهم ايضا بعض المقاصد الاخرى غير كسب رضى الله عليهم وهذا الامر
    سائد في الشرق وفي الغرب في صفوف رجال المال والاعمال الراسمالية
    الغربية رغم كل مافيها لكنها كانت اساس انطلاق الغرب والتحرير الشامل في كل مجال والنهضة في المجتمع الغربي شيئ ظاهر
    ورغم دخول الراسملية الغربية حرب اولى وثانيةوورغم كل الدمار لكن الغرب اعادة قيام كل شيئ بعد سنوات وبشكل خلاق ابداعي
    الاشتراكية والشيوعية ذات شكل رائع لكن مضمون اخذ النظام العسكري الامني الضارب وصادر السوق وجعل السوق يعمل في اتجاه واحد واليوم اين الشيوعية اصبحة امه بائدةحتى الاشتراكية الغربية ايضا مختلفة وبشكل جذري عن الشرقية
    اما نحن العرب فشل عندنا كلى شيئ الاقتصاد المركزي الاشتراكي بالروع الشيوعية نتيجة سيطرة الفكر العسكري وتحويل بعض الدول العربية الى ثكنات عسكرية ام الدول ذاتاتجاه السوق الحرة كانت مسخ وقزم لايوجد لها كيان مستقل عن التعبية العمياءالى الغرب
    والراسمالية الغربية وكبيرهم في البيت الابيض

    Reply
  7. مواطن

    اطلق العرب اقتصاد اسلامي بعد مسلسل الخسائر وصار يوجد عندنا اقتصاد اسلامي /البنوك الاسلامية/ ولكن البحث جاري عن المسلمين
    في الاقتصاد الاسلامي
    عند الدخول الى بنك اسلامي طبعا في كل الول العربية اصبح يوجد بنك اسلامي وبطريق حساب بسيطة تجدالمصاريف على الاقرض بعض القصص
    التي يعرف العميل ماهي/المصاريف الادارية/ تحسب قيمة المبالغ المحسومة من القرض + الاضافة التي توضع على القسط تحت اكثر من عنوان تجد القيمة الكلية نفس البنك الذي يعمل بالفوائد فقط
    الاختلاف في التسمية والمسلم عندنا يقول بكل الاحوال الامر برقبتهم
    اخي الكريم البنك لايمكن انيكون خاسرا الازمة العالمية الاخيرة كانت كلها نتيجة انقلاب المعادلة بين الدائن والمدين
    وخرج عندنا اركان البنوك الاسلامية يطلبون الصلاة من اجل سلامة البنك الاسلامي من الازمة

    Reply
  8. مواطن

    لو ان الشرطية اعادة عربة الخضار الى المرحوم بو عزيزي اليس اليوم النظام الرسمي العربي كله في شرم الشيخ او ماربيا او
    تركيا او ادونسيا او او يقضون العطلة الصفية والنظام الرسمي العربي اليوم محروم من حضور حفل زفاف المستوره على والي عهد بريطانيه كون النظام مشغول في الاصلاح والديمقراطية واطلاق كل يوم مبادره الى الشعوب من اجل العوده الى البيوت
    طبعا اخي الكريم يوم في السعودية يوجد اختيار مجلس بلدي وتم حرمان النساء من الامر تحت عنوان عريض اسمةه لايوجد كوادر طبعا حديث مدير الامر مبروك اول خطوه في اتجاه الديمقراطية البناء الخلاقة

    Reply
  9. ملاحظات

    أحييك أخي عصام على هذه النظرة الشمولية لموضوع الثراء و تأثيره على المجتمعات ، و كما ذكرت هناك من يكره الأثرياء و هناك من يحبهم و هذا الشعور عادة ينبع من خلفيات ثقافية متنوعة .
    تذكرت و أنا أقرأ سطورك مقولة قرأتها قبل مدة “دائماً نكره ما لا نستطيع تحقيقه” فالبعض يرى أن بلوغ الثراء مستحيل إلا بوسائل غير شرعية فيصبح القاضي و السجان و يقرر كره الأثرياء كــــل الأثرياء لأنهم لصوص .

    لا عدمنا إبداعك و سجلني متابعاً جديداً .

    عبدالله

    Reply

اترك رداً على محمد صالح إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>