ماذا لو تم رفع سعر صرف الريال؟

في المقالات الأربعة السابقة تحدثنا عن خلق النقود وعلاقته بسعر صرف العملات وعن الريال وعلاقته بالدولار، وفي هذا المقال سنسلط الضوء على سلبيات وإيجابيات رفع سعر صرف الريال مقابل الدولار، من الناحية النظرية فإن الريال مقيّم بأقل من قيمته الحقيقية، فبعد ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأخيرة أصبح من الممكن أن يتم إعادة تقييم سعر صرف الريال أمام الدولار ورفعه بشكل كبير، وللوصول لأعلى قيمة ممكنة للريال أمام الدولار يمكننا استخدام الميزانية الحكومية التي تعتمد على دخل النفط وتشكل هذه الميزانية القاعدة الأساسية للحركة الاقتصادية في السعودية، فبسعر صرف 3.75 للريال أمام الدولار كانت إيرادات النفط لسنة 2012 حوالي 1,100 مليار ريال وكان معدل سعر النفط حوالي 100 دولار، بينما كان الفائض حوالي 380 مليار ريال، لو تم إعادة تقييم سعر صرف الريال بحيث يكون الفائض صفرا، فإن سعر صرف الريال أمام الدولار سيكون حوالي 2.6 ريال لكل دولار، أي حوالي 0.38 ريال لكل دولار مقارنة بحوالي 0.26 ريال لكل دولار حاليا. أي أن سعر صرف الريال سيرتفع حوالي 44%.

فمالذي سيحدث للاقتصاد لو تم تسعير الريال بهذه القيمة المرتفعة؟ وكيف سيتأثر المواطن والقطاع الخاص والحكومة، أول النتائج الإيجابية لرفع سعر صرف العملة هو انخفاض أسعار السلع المستوردة، وهو التأثير البديهي الذي يتم نقاشه في الصحف ووسائل الإعلام، والذي دفع بعض الاقتصاديين للمطالبة برفع سعر الصرف لتخفيف تأثير تضخم أسعار السلع، واذا تم تقييم الريال بـ 2.6 ريال لكل دولار فإن كل سلعة مستوردة نشتريها الآن سينخفض سعرها بنسبة 44%، سيارة الكامري التي تباع بـ 100 الف ريال سيكون سعرها 66 ألف ريال وهكذا في بقية السلع، التأثير الإيجابي الآخر – وقد ينظر له بشكل سلبي من جهة أخرى – هو انخفاض تكلفة العمالة الوافدة، فالعمالة الوافدة يهمها ما تحصل عليه من راتب بعد تقييمه بالدولار، لأنه على الأرجح سيقوم بتحول جلّ راتبه لبلده الأصلي، فالوافد الذي كان يرفض القدوم للعمل في السعودية باقل من 2000 ريال، قد يقبل القدوم بأقل من 1200 ريال، نفس الشيء ينطبق على العمالة المنزلية، مما يعني إنخفاض تكاليف السلع والعمالة المنزلية على الأسر السعودية، وأخيرا فإن تكلفة السياحة الخارجية ستنخفض بنفس النسبة – 44% – وقد يعني ذلك أن عددا أكبر من الأسر يمكنها السفر للخارج للسياحة كما يمكن زيادة الإنفاق وإطالة مدة السفر.

أما بالنسبة للجوانب السلبية لرفع سعر صرف الريال، فإن أبرز السلبيات هي صعوبة منافسة المنتج المحلي مع المنتج المستورد، لأن انخفاض أسعار السلع المستوردة بنسبة 44% قد يعني خسارة كثير – إن لم يكن غالب – من المصانع المحلية، لأن الانخفاض في أسعار السلع المستوردة قد يكون أكبر من الهوامش الربحية التي تمكّن الصناعات المحلية من البقاء، وهذا يعني أن قطاعا كبيرا من الصناعة سيغلق أبوابه، ومعها يخسر الآلاف وظائفهم، كما أن صناعات وطنية كثيرة كان يمكن أن تنشأ، لن تكون ذات جدوى وسيستحيل إقامتها، وهذا يتناقض مع أهم استراتيجية يجب أن نعمل عليها وهي تنويع الاقتصاد، خاصة من خلال تنمية القطاع المنتج والصناعي بالتحديد، السلبية الأخرى هي انخفاض رواتب العمالة الوافدة، ورغم أنها قد تبدو أمرا إيجابيا إلا أنها ستكون ذات تأثير مدمّر على فرص المواطنين الوظيفية وستزداد صعوبة توطين الوظائف بشكل كبير، لأن الفجوة بين راتب الموظف الوافد وبين الموظف السعودي ستزداد وستقلّ جاذبية توظيف المواطنين وسنعود للدوامة السابقة التي دفعت القطاع الخاص للإدمان على العمالة الرخيصة والابتعاد عن الاستثمارات التي ترفع انتاجية الموظف – بسبب انخفاض تكلفته، والتي أدت بالنهاية للتشوهات التي نعيشها اليوم في القطاع الخاص. أخيرا فإن رفع سعر الصرف سيؤدي مباشرة لانخفاض إيرادات الدولة بنفس نسبة ارتفاع سعر الصرف، فلو تغيّر سعر الصرف لـ 2.6 ريال كما ذكرنا سابقا، فإن إيرادات الحكومة ستنخفض بنسبة 44%، وبناء على آخر ميزانية، سيعني ذلك أنه لن يكون هناك فوائض مالية للحكومة يمكن إدخارها واستخدامها لاحقا في حالة تعرض أسعار النفط لأي هبوط حاد.

رفع سعر صرف العملة قد يبدو للوهلة الأولى وسيلة مثالية لتوزيع الثروة ورفع المستوى المعيشي للفقراء والأسر في الطبقة المتوسطة، ولكنه في الواقع ليس كذلك، فأكبر مستفيد من رفع سعر العملة هم الأكثر ثراء، فمن يملك مئات الملايين كان قبل رفع سعر العملة يشتري اليخت بعشرين مليون ريال، وبعد الرفع سيشتريه بثلاثة عشر مليون ريال، هذا الانخفاض بالتكلفة كان سيذهب كإيرادات حكومية، استغنت عنها الحكومة لترفع سعر الصرف واستفاد منه شخص يريد شراء يخت للترفيه، كما أن رفع سعر الصرف سيعيق النمو الاقتصادي وسيؤثر ذلك على خلق الفرص الوظيفية للمواطنين وبالتالي قد يرفع من نسب البطالة، وأكبر متضرر من ذلك الطبقات الأقل دخلا، رغم كل ذلك فإننا نجد للأسف كثيرا من الاقتصاديين يطالبون برفع سعر صرف العملة من أجل جني فوائد قصيرة المدى كانخفاض أسعار السلع المستوردة، ويتجاهلون الآثار المدمرة لهذا التعديل على المدى الطويل، وأهمها عدم إمكانية بناء اقتصادي منتج وصناعي يضمن نموا اقتصاديا مستداما، في المقال القادم سيكون الحديث عن إيجابيات وسلبيات خفض سعر صرف الريال مقابل الدولار.

 

مقالات متعلقة:

    1. كيف تُخلق النقود؟
    2. كيف يتم تحديد سعر صرف العملة؟
    3. لماذا وكيف يتم تثبيت سعر العملة أو ربطها بالدولار؟
    4. لماذا 3.75 ريال للدولار وليس أكثر أو أقل؟
    5. ماذا لو تم رفع سعر صرف الريال؟
    6. ماذا لو تم خفض سعر صرف الريال؟
    7. 1000 مليار ريال… أين اختفت؟
    8. المرض السعودي

تعليقات فيس بوك

12 thoughts on “ماذا لو تم رفع سعر صرف الريال؟

  1. عــلـــي الــشـهـري @AliShehri

    أ. عصام

    أسعد الله مساءك

    عندي وجهة نظر قد تكون قاصرة بعض الشيء ولكن أرجو أن تطلع عليها وتقومها إن كانت خاطئة.

    في حالة رفع قيمة صرف الريال السعودي فإن الرواتب إجمال ستنخفض ليس فقط على الأجانب بل على السعوديين أيضا. لماذا؟

    شخص يستلم 6000 ريال قبل إعادة تقيم الريال، لو افترضنا نفس النسبة التي تفضلت بها 30%زيادة في قيمة الريال، معنى ذلك أن 6000 ريال أصبحت تساوي 4200 ريال، لذلك أنا أفترض أن مع التغير سيكون هناك تقليص في الرواتب من ناحية الرقم لا القيمةعلى الجميع المواطن والمقيم.والحصيلة من وجهة نظري المتواضعة أن الرواتب ستبقى ثابته من حيث القيمة الشرائية ولكنها تقل كمبلغ بالأرقامما يعطي مؤشرا بأن تكلفة الأيدي العاملة ستبقى على وضعها دون تغير.

    أشكر رحابة صدرك،،

    تحياتي

    Reply
  2. عصام الزامل Post author

    بالعكس اخوي علي،، اذا كان راتبك 10 آلاف ريال وتستطيع شراء 4 آيفون بالراتب. فراح تقدر تشتري 5 آيفون بعد رفع قيمة العملة. يعني فعليا الرواتب ارتفعت للمواطنين.

    Reply
  3. فيصل

    الاخ علي الشهري على حق لا يوجد سبب منطقي لتثبيت رواتب السعوديين او اي سعر اخر في حال رفع سعر الريال
    ايضا رفع سعر الريال يتيح خفض الدعم المدمر للطاقه و الماء بدون رفع السعر

    Reply
  4. محمد يماني

    الاستاذ / عصام
    بعد التحية
    اتمنى لك من الله التوفيق والسداد وان يوفقك لك خير وان يجعل عملك خالصا لوجهه وان يجعل كل عمل تقوم به في ميزان حسناتك اضعافا مضاعفه .. فانا احبك في الله حفظك الله ورعاك .

    Reply
  5. Pingback: ماذا لو تم خفض سعر صرف الريال؟ : : مدونة عصام الزامل

  6. عبدالله

    كلام جميل والشرح واضح وكافي, لكن بالنسبه للسعوديه ما عندها منتج يصدر غير النفط, ومنتجات سابك النفطيه لذلك الكساد ما اتوقع انه يغير شي في عملية سعر الصرف لان الطلب على النفط ضروري والسعر ثابت لذلك اتوقع رفع سعر العمله مع انشاء قيود على الشركات لتفادي النقطه الثانيه من السلبيات المذكوره في المقال راح تنعش الدوله على المدى القصير, لكن اتوقع ان النقاش في هذي النقطه تحديدا غير مسموح به اطلاقا لان المستهلك الاول لبترول السعوديه هو امريكا فمن الافضل لهم انك تبيع النفط مقابل الدولار.. اشكر طرحك الجميل استاذي الكريم

    Reply
  7. معاذ

    بالنسبة للتأثير السلبي على االصناعة المحلية يكون متحقق عندما تكون العمالة والمواد الأولية والمعدات للصناعة محلية المصدر، ولكن وبما أن جل التكلفة في التصنيع هي في العمالة والمواد والمعدات وهي كلها مستوردة فلن تتأثر الصناعة المحلية سلباً ويجب أن ينظر إليها مثل المنتجات المستوردة.

    Reply
  8. أحمد رواس

    والله يا استاذ عصام .. مقالاتك تعبر عن فهم و دراسة و وعي لما يدور باقتصاد العالم
    رأيي هو أن صادرات السعودية و على رأسها النفط مقارنة مع واراتها تجعل ميزان الصادرات أعلى من الواردات و يسمح للريال بأن ترتفع قيمته بشدة و سيؤدي للسلبيات التي تحدثت عنها… بالمقابل .. يمكن للحكومة طبع ريالات تضخها تعيد للعملة قيمتها السابقة و تحافظ عليها .. و هكذا تكون قد كسبت الطرفان و في هذا خير كثير للسعودية عموماُ … لكن العقبة تجاه هذا شيء واحد فقط ..هو أن أمريكا ستنزعج جداُ بحسب ظني لأن الريال سيكون فيه وفرة بحيث يتحول لعملة عالمية تضخ بكل أسواق العالم و سيشكل منافس للدولار و اليورو حتى …

    Reply
  9. محمد السيفي

    سؤال حيرني أستاذ عصام أرجو منك توضيحه هو: هل الصادرات في أي بلد بالعالم تباع بعملتها المحلية؟؟ وإذا كان لماذا يباع النفط في السعودية بالدولار؟؟ أم ان النفط فقط بالدولار وباقي النتجات بالعملة المحلية؟؟

    Reply
  10. فارس

    الزامل يتكلم عن رأيه بشكل عام للدولة والشركات والناس..لكن المواطن يتمنى ارتفاع الراتب لعدة اسباب:
    – اولا شوفو الكويتيين والعمانيين داروا كل دول العالم ودرسوا برا واشتروا اجمل السيارات بسبب قوة عملتهم مقارنة بالسعودي
    – ثانيا الناس تنظر لقوة الدولة من قوة العملة..الريال اذا كان قوي راح يعطي هيبة للدولة بل ويعتبر عملة مفضلة التداول لجميع انحاء العالم فقوة النفط قادرة على رفع سعر الريال عاليا وحينئذ يفضل البعض الاستثمار في شراء عملة الريال.
    – ثالثا القوة الشرائية راح تزيد للمواطن.يعني حاجة غريبة دول فقيرة زي البحرين والاردن وغيرها عملاتها اقوى منا وهذا يشكل صعوبة السفر للمواطن السعودي هناك.
    – رابعا البلد سيكون جاذب لافضل العقول الاجنبية من مختلف انحاء العالم ليعملوا لدينا وبأجور بسيطة والسبب قوة العملة التي تفيدهم عند التحويل لذلك نلاحظ ان افضل المهندسين والاطباء موجودين في الكويت مثلا وليس بالسعودية.
    -خامسا قوة العملة تفيد المواطن في تملك العقارات والدخول باستثمارت خارج البلاد
    -سادسا قوة العملة تمكن المواطن من شراء عملات اجنبية قوية بسهولة كاليورو والجنيه الاسترليني وغيرها له وللزمن اذا حصل ازمة اقتصادية
    -سابعا ليس من العدل ربط الريال بالدولار من سنين طويلة لو تحرر الريال سيكون اقوى عالاقل يتم ربطه بالنفط او الذهب او بعملة مثل اليورو
    -ثامنا انا اتمنى توحيد عملات جميع دول مجلس التعاون الخليجي وقتها سيصبح لعملتنا قوة عالمية

    Reply

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>