لماذا وكيف يتم تثبيت العملة أو ربطها بالدولار؟

في المقالين الماضيين تحدثنا عن كيفية خلق النقود وعلاقته بالتضخم في أسعار السلع والخدمات وعلاقته بالانتاجية، ثم في المقال الثاني قدمنا شرحا مبسطا عن آلية تحديد سعر صرف العملة مقابل بقية العملات والتي تشبه لحد ما آلية خلق النقود، حيث أنها ايضا تؤثر بشكل مباشر بتكلفة استيراد السلع والخدمات والقدرة على تصديرها، في هذا المقال سنلقي الضوء على آلية تثبيت العملات أو دعمها والتي عادة ما تكون من خلال ربطها بالدولار أو بسلة عملات.

الأصل في تحديد سعر صرف العملات هو ترك آليات السوق والعرض والطلب لتقوم بدورها الذاتي في تحديد سعر الصرف، والذي كما ذكرنا سابقا يتأثر بشكل كبير بميزان المدفوعات لكل دولة وعلى التوقعات الاقتصادية والنمو لكل دولة، ولكن في كثير من الأحيان تقوم الدول بالتدخل في تحديد صرف عملتها لأسباب مختلفة، كما أن بعض الدول تقوم بتثبت سعر الصرف أمام العملات الأخرى كالدولار ولا تترك أي هامش حركة لسعر صرف العملة.

أسباب تدخل الدول في سعر الصرف لا يخرج غالبا عن ثلاثة أسباب، الأول هو ضمان الاستقرار الاقتصادي والاستثماري وبالتالي جذب الاستثمار الأجنبي وتقليل التذبذب بالأسعار بالنسبة للمواطنين، السبب الثاني هو تقليل اسعار الواردات حتى يتمكن المواطنون من شراء السلع الأجنبية بسعر معقول، ولكن ذلك يؤثر سلبيا على قدرة المنتجين المحليين في منافسة السلع الأجنبية وبالتالي تفشل كثير من الصناعات المحلية في النمو بسبب هذا الرفع في سعر صرف العملة المحلية، أما السبب الثالث فهو تقليل تكلفة الصادرات، حتى تضمن الدولة أن صناعاتها قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية وبالتالي قادرة على الاستمرار في النمو الصناعي، ولكنها في المقابل، فإن ذلك يرفع من أسعار السلع المستوردة ويقلص من قدرة المستهلكين على شراء السلع الأجنبية.

آليات تثبيت سعر الصرف لا تختلف كثيرا عن آليات تثبيت أسعار السلع التي تعتمد على قوى العرض والطلب، فعندما تقوم الدولة بتثبيت العملة بأكثر من قيمتها الحقيقية – بغرض تقليل اسعار الواردات، فإنها تفعل ذلك من خلال ضمان سعر الشراء بسعر محدد، فكلما زاد المعروض من عملة هذه الدولة وتشكل ضغط سلبي عليها، تقوم الدولة بحملة شراء لعملتها أو تضمن لكل من يشتريها أن تقوم هي من جهتها بشراء العملة بالسعر الذي حددته، هذا السلوك مكلف جدا، فكلما تدخلت الدولة لشراء عملتها فإنها تستخدم احتياطياتها الأجنبية – كالدولار – لشراء عملتها، وكلما انخفض مخزونها من العملات الأجنبية فإن قدرتها تضعف على التدخل لتثبيت سعر عملتها. وهذا تقريبا ما يحدث في بعض الدول مثل مصر التي تضطر بشكل مستمر للتدخل حتى لا ينخفض سعر الصرف بشكل كبير، أما في الدول التي تقيّم عملتها بأقل من قيمتها الحقيقية، كالصين واليابان، فإنها تقوم بشكل مستمر بزيادة المعروض من عملتها وشراء العملات الأخرى – عادة تشتري الدولار – زيادة المعروض يقلل الطلب على العملة وبالتالي تنخفض العملة، تقوم اليابان والصين بذلك بشكل مستمر حتى تضمن أن أهم أسواقها – كالسوق الأمريكي – تستمر في الشراء من صادراتهما، ولذلك نجد أن اليابان والصين هما أكبر دولتين دائنتين لأمريكا ومجموع ما اقترضته أمريكا من تلك الدولتين يزيد على 2 ترليون دولار.

أما في السعودية فتثبيت العملة له وضع مختلف، فهو عمليا مقيّم بأقل من قيمته الحقيقة فيما لو ترك لقوى السوق تحديد سعره، ولكن في المقابل قوة العملة نابعة من قدرة الدولة في إنتاج النفط، وليست نابعة من القدرة الإنتاجية الحقيقية، وبالتالي فيمكننا القول أيضا أن سعره أعلى مما يجب، وسنتحدث بإسهاب في المقالات القادمة عن سعر صرف الريال وتأثيره على الاقتصاد السعودي والمواطن.

 

مقالات متعلقة:

  1. كيف تُخلق النقود؟
  2. كيف يتم تحديد سعر صرف العملة؟

تعليقات فيس بوك

One thought on “لماذا وكيف يتم تثبيت العملة أو ربطها بالدولار؟

  1. Saleh

    السلام عليكم أستاذ/ عصام،،،
    شكرًا لك على هذا الطرح المختصر والمفيد لغير الاقتصاديين… ننتظر الجديد.

    Reply

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>