مزرعة القمح

في جزيرة ما، يعيش أهلها برغد ورفاه، ويعمل غالبية مواطنيها بوظائف مريحة وبمرتبات عالية، وكغيرهم من سكان العالم يحتاج سكان الجزيرة لتوفير الغذاء وخاصة القمح كونها مادة غذائية أساسية، حيث كان القمح يزرع بالجزيرة ولكن المواطنين كانوا يتجنبون العمل فيها كمزراعين، بسبب انخفاض الأجور وصعوبة العمل في هذا المجال.

كان في هذه الجزيرة 10 مزارع قمح، كلها بنفس المساحة، ويعمل في كلّ منها نفس العدد من المزارعين، وكانت حكومة الجزيرة تسمح لهذه المزارع أن تستقدم العمالة الرخيصة من خارج الجزيرة، ولأسباب سياسية واقتصادية وأمنية كانت الحكومة تضع حدا أقصى لعدد العمالة المسموح استقدامها سنويا، حيث كانت تسمح باستقدام 100 عامل سنويا. وكانت الحكومة – من باب العدالة – توزع هذه العمالة بالتساوي بين المزارع – عشرة عمال لكل مزرعة، وكان تكلفة العمالة 200 دولار لكل عامل، الإختلاف الوحيد بين هذه المزارع هو مستوى الإنتاجية، فعلى الرغم من أن عدد المزارعين متساوي ومساحات المزارع متساوية، إلا أن بعضها كان ينتج قمحا أكثر من الآخر بسبب استخدام التكنولوجيا وارتفاع الكفاءة الإدارية، حيث كانت هناك مجموعتين، كل مجموعة يوجد بها 5 مزارع. المجموعة الأولى كانت تنتج 10 آلاف طن من القمح، وكانت قيمة ما ينتجه المزارع الواحد في هذه المزارع حوالي 2,000 دولار شهريا. أما المجموعة الثانية فقد كانت تنتج 3000 طن من القمح، وكانت قيمة ما ينتجه المزارع الواحد حوالي 600 دولار شهريا.

بعد فترة قررت الحكومة أن تتوقف عن توزيع العمالة بالتساوي وذلك بأن تفرض رسوما شهرية على العمالة، ويتم تحديد قيمة الرسوم من خلال أصحاب المزارع، ومن يدفع أعلى مبلغ يحصل على العامل، تقدمت مجموعة المزارع الأعلى إنتاجية بطلب العمالة برسم شهري يساوي 400 دولار شهريا، وهو يعني أنه من غير المجدي أن تستقدم المجموعة الأقل كفاءة أي عمالة، لأن هامش ربحها من كل عامل يساوي 400 دولار وبالتالي فإنها لا يمكن أن تحقق أية أرباح. وبذلك ذهبت كل العمالة الموجودة والمستقدمة للمزارع الأكثر الإنتاجية، فماذا كانت نتيجة هذا التغيير؟ ارتفعت تكلفة العامل 400 دولار شهريا. فهل ارتفع سعر القمح أيضا؟

الذي حدث بعد هذا التغيير أن كل العمالة اتجهت للمزارع الأعلى إنتاجية، فارتفع الإنتاج من 13 ألف طن قبل رفع الرسوم، إلى 20 ألف طن بعد رفع الرسوم، وبنفس عدد العمالة السابق. الزيادة الكبيرة في الإنتاج رفعت من حجم معروض القمح في السوق، وبالتالي دفعت الأسعار للإنخفاض، وبذلك استطاعت الجزيرة أن تغطي كافة احتياجاتها من القمح بتكلفة أقل، وستحتاج في المستقبل لعدد أقل من العمالة الوافدة حتى تغطي نمو احتياجات المستهلكين.

جوهر فكرة اقتصاد السوق هو أن تتجه الموارد المحدودة لأكثر القطاعات أو المنشآت إنتاجية، وفي حالة العمالة فإنها تمثل عنصر إنتاج ضروري ولكنها ولأسباب متعددة عنصر محدود، ولذلك فإن توجيه هذا العنصر للقطاعات الأكثر كفاءة يفيد الجميع، فالإنتاجية ترتفع، والأسعار تنخفض، وسيكون الاحتياج أقل لهذه العمالة. والتوجيه الأمثل لهذا العنصر لا يتحقق إلا من خلال أدوات السوق، فالمنشآت التي تستطيع دفع مبلغ أعلى لهذا العنصر الإنتاجي هي الأحق بالحصول عليه، لأنها الأقدر على الحصول على أعلى إنتاجية وأعلى عائد يفيد الاقتصاد ويفيد المجتمع.

تعليقات فيس بوك

8 thoughts on “مزرعة القمح

  1. ahmdx

    أخ عصام , السلام عليكم

    سيناريو رائع ولكن أغفلت ان القطاع الزراعي أكثر القطاعات استخداما للعمالة المتخلفةعن “نظام الاقامة” , والكثير من المزارع تعمل بالتستر

    اشار الكثيرين من المعترضين على قرار رفع تكلفة العمالة أن من المفترض ان لا يشمل القرار كل القطاعات بل القطاعات التي تحتاج رفع التكلفة

    Reply
  2. فارس

    كلام جميل ولكن هناك ملاحظة واحده فقط وهي أن التركيز أو التوجه لفتح السوق بأن يكون حر تماماً ربما يخلق نوع من أنواع الإحتكار الذي يعرف جيداً كيف يستغله التاجر. وشركة المراعي أفضل مثال على ذلك فلولا تدخل وزارة التجارة لتم رفع الأسعار بدون أي إعتبار للمستهلك.

    Reply
  3. فايز..ابو مليك

    كلام جميل….مزرعة وقمح سهلت الموضوع كثيرا….لكن اغفلنا العماله السايبية. ما اعني هو اني استقدم عماله واقوله الله لا يهينك اطلق السباك الذي بداخلك ولا الحداد ولا النجار. اعمل لحسابك وسدد رسومك وتامينك واقامتك وكل شي…واخر الشهر الله لا يهينك جب لي خمس مية ريال. هذا العامل هو من سيتحمل الرسوم الجديدة (المقابل المالي) وبالتالي بيظطر يرفع قيمة منتجه او شغل يده عشان توفي معه. طبعا هذه الشريحة من العماله منتشره كالنار في الهشيم وبنسب والله ما تحضرني لكن كبيرة جدا جدا. وهم على الاقل يشكلون سواد اعظم من نسبة العمالة الي تتعامل مع العميل النهائي (المواطن). فهم يشكلون السباكين والنجارين والبنايين والخبازين وحتى عمال البقالة.

    هذا ما نعاني منه يا سيدي الفاضل,,,,

    Reply
  4. ابراهيم عبدالعزيز

    عزيزي عصام اولاً انا مع فكرة وقرار تطبيق المقابل المالي ورفع تكلفة العامل الاجنبي ولكن ليس بهذه الصوره ان يكون المبلغ مقتطع عند بداية كل سنه وان لا ياخذ بالحسبان تفاوت الرواتب فماذا تمثل ٢٠٠ ريال لمن رواتبهم ٥٠٠٠ ريال فما فوق. هذا القرار حالياً مفيد للدوله وللشباب السعودي في دعم الموارد البشريه وبرنامج حافز وليس للسعوده ورفع الكفائه الانتاجيه. كان من المفروض يدفع شهرياً وان يكون ٢٠٠ ريال الحد الادنى لمن رواتبهم تقل عن ١٠٠٠ ريال وان يكون بالنسبه المئويه من الراتب لما فوق ذلك مثلاً ٢٠-٣٠٪ على ان يسبق هذا القرار عدة خطوات منها :١- تحسين الاداء الحكومي ورفع كفائته وهو المنافس الاكبر للقطاع الخاص بأعطاء الصلاحيات لمدراء الادارات بتوجيه الانذارات والخصم من الراتب وحتى الفصل من الوظيفه للحد من المتلاعبين والتغيب وكثرة الاستئذانات بدون سبب. ٢- تعديل وزيادة ساعات العمل في القطاع الحكومي لتكون من الساعه الثامنه الى الرابعه اوعلى الاقل الى صلاة العصر لتقليل الفجوه وليكون المجتمع ككل على نسق واحد ٣-تقليل ساعات العمل في القطاع الخاص تدريجياً على ان تكون فتره واحده الي الساعه الخامسه ولقطاع الجمله الي صلاة المغرب والتجزئه الي صلاة العشاء والزامية الاغلاق يوم الجمعه للكل مع استثناء المولات والمجمعات التجاريه ٤- البدء اولاً في سعودة القرى والمدن الصغرى لاستيعاب ابنائها وابناء الهجر والمراكز المجاوره ولتخفيف الضغط على المدن الكبرى من هذه الفئه حيث ان سياسة التعليم لدينا للاسف قامت وعلى مدى عقود بعزل الطلاب في مدارس نائيه ولاتتعدى في كثير من الاحيان العشرين طالب بدلاً من تجميعهم ودمجهم في القرى والتجمعات الحضريه القريبه مما نتج عنه شباب جاف غير قابل للتكيف والتطوير مع متطلبات العصر ٥- تعديل نظام الكفاله والغاء نظام العمل بالصخره واعطاء العامل الاجنبي حقه في حياة كريمه وحرية البحث عن عمل والسفر وتغيير الكفيل لتخفيف الاتكاليه على العامل الاجنبي من ارباب العمل بضمانة الكفاله

    Reply

اترك رداً على فارس إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>