الأزمة المالية الأمريكية.. إلى أين؟

لقد فقدنا السيطرة، لا يمكننا تثبيت سعر الدولار، ولا يمكننا التحكم بأسعار السلع.”(1) بهذه الكلمات خاطب برنانكي محافظ البنك المركزي الأمريكي زميل مهنته دافيد هيل – الإقتصادي العالمي المشهور، وكأنه يعلن بداية حقبة جديدة في الإقتصاد العالمي، حقبة لا يتمحور فيها الإقتصاد حول أمريكا، ولا يلعب السوق المالي دورا طاغيا على دور الإقتصاد الحقيقي.
في نهاية الأسبوع الماضي أعلنت الحكومة الأمريكية عن خطة لضخ سيولة ضخمة تصل لترليون دولار (1000 مليار) لإنقاذ الأسواق المالية في أمريكا، وهي أكبر عملية إنقاذ حكومي في التاريخ، وحجم المبلغ يتناسب مع حجم الأزمة الكارثية التي تواجهها أسواق المال في أمريكا.

نهاية حقبة النموذج الأمريكي للسوق الحرة

إن ما قامت به الحكومة الأمريكية من (تأميم) لبعض المؤسسات المالية وشركات التأمين المتضررة من الأزمة المالية يعد تناقضا صارخا مع المباديء التي لم تتوقف أمريكا عن التبشير بها، من تحرير للأسواق بشكل مطلق، وازالة جميع الضوابط والقوانين المتشددة التي قد تبطيء من حركة الأسواق وحريتها كما يدّعون، كما انه مناقض لرفضها القاطع والمتطرف لأي تدخل حكومي في الأسواق، لتدور عليها الدوائر… وتجبرها الأزمة على أن تقوم بأكبر تدخل حكومي في التاريخ.
يرى كثير من المحللين أن الأزمة الحالية هي بداية لنظام اقتصادي عالمي جديد، بعد أن اثبت النموذج الأمريكي في الإقتصاد أنه غير قابل للديمومة، وأن الإنفلات وترك الجشع يقود الأسواق من دون ضابط أو رقيب ليس له إلا نهاية حتمية واحدة… الإنهيار.

مصادر تمويل خطة الإنقاذ الأمريكية

إن المبالغ الطائلة التي ستدفع لإنقاذ الشركات المالية وشراء سندات الديون المعدومة وشبه المعدومة، ماهي إلا أموال دافعي الضرائب في أمريكا، الذين سيتحملون التكاليف الباهضة لفشل الأسواق المالية لسنوات قادمة، بعد أن ذهب الرأسماليون ورؤساء شركاتهم بأرباحهم التي اكتنزوها خلال السنوات الماضية من خلال ألاعيب مالية أقرب للمقامرة منها لأي شيء آخر. كما أنها ستدفع ولو بشكل غير مباشر من ثروات الدول التي تحتفظ بالدولار في بنوكها المركزية وبكميات ضخمة وعلى رأسها دول الخليج ودول شرق آسيا كالصين واليابان، حيث أن هذا التمويل الضخم سيؤدي حتما إلى إضعاف الدولار، لأنه سيزيد من عجز الموازنة الحكومية الأمريكية، ولأنه سيزيد من حجم النقد الذي ستصدره الحكومة الأمريكية سواء كان ذلك على شكل سندات او نقود، مما يعني إنخفاض قيمة جميع الأصول المقومة بالدولار لدى البنوك المركزية، وأخيرا فإن العالم كله سيتحمل جزءا من هذه التكلفة من خلال التضخم الذي سيخلفه تآكل الدولار وفقده كثيرا من قيمته الحالية.

مستقبل الإقتصاد الأمريكي والدولار

مما لا شك فيه أن العملة الأمريكية تواجه ضغوطا شديدة حتى قبل بدء الأزمة المالية الأخيرة، وقد فقد الدولار بسبب هذه الضغوط ما يقرب من خمسين بالمئة من قيمته خلال السنوات الست الأخيرة مقابل اليورو، وما يحدث في أسواق أمريكا المالية الآن قد يكون المسمار الأخير في نعش هذه العملة المهترئة، حيث سيؤدي الدعم الأخير من الحكومة الأمريكية، إلى تقليل إنفاق الحكومة في القنوات الإنتاجية، وزيادة العجز الحكومي المتضخم أصلا، مما يعني أن الحكومة الأمريكية ستُرغم على أن تقترض مزيدا من الأموال من بنوك العالم، وهو أمر سيضعها في موقف لا تحسد عليها، فمزيد من القروض قد يعني الحاجة لزيادة نسبة الفوائد على قروض الحكومة الأمريكية، ورفع الفائدة في هذا الوقت بالذات قد يؤدي إلى كارثة حقيقية، لانه سيقلل قيمة المنازل في أمريكا، ويبطيء الإقتصاد، ليدخل الإقتصاد الأمريكي في دوامة من التباطؤ الذي قد ينتهي إلى الكساد.

خاتمة

قال تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) صدق الله العظيم.

تعليقات فيس بوك

18 thoughts on “الأزمة المالية الأمريكية.. إلى أين؟

  1. osamayy

    أنا لا أفهم كثيرا في الأمور الإقتصادية لكن هذه النهاية التي كنت أتوقعها لإقتصاد وشركات قائمة على الربا والفوائد والتأمين وكلها تعتمد على بعضها لذلك اي انهيار لأحد البنوك أو المؤسسات الكبرى سوف يلحقه الكثير من الإنهيارات لشركات اصغر تعتمد عليه، وأعتقد أن بداية هذه الإنهيارات كانت بعد أحداث سبتمبر.

    موضوع رائع

    Reply
  2. تميم

    شكرا عصام على هذه التدوينة
    مايهمنا هنا مدى تأثر اقتصادنا بهذه الازمة؟ والا امريكا في قريح :)
    المشكلة ان اقتصادنا مرتبط ارتباط مباشر بإقتصاد امريكا وهذا يدل على اننا سنتضرر اقتصاديا بشكل كبير بسبب مايحدث الان في امريكا، والبعض يقول توكم ماشفتو شي

    الله يستر

    Reply
  3. أحمد باعبود

    تدوينة من أجمل ما قرأت عن الموضوع لأن فيها كمية معلومات و توقيق و لا أجمل.

    مثلما قلت يا عصام، ما قامت و ستقوم به الحكومة الأمريكية من إنقاذ هذه المؤسسات المالية يناقض دعاوى الليبرالية الجديدة تماماً، بل إنني أقول هنا ما سمعته من أحد المعلقين في إذاعة البي بي سي “لماذا تنقذ الحكومة الأمريكية هذه الشركات بينما تغض الطرف عن دفع مساعدات مباشرة للمتضررين من الأزمة العقارية”، لأن منهم أشخاص -كما ذكرت – لهم سجل إئتماني ممتاز و كانت لهم القدرة على دفع قروضهم لولا الطمع الذي كانت تتعامل به الشركات المالية و غياب الرقابة و الأنطمة الصارمة!.

    أعقتد أن أثار هذه الأزمة ستصلنا و بعنف ما لم يتم التصرف بصورة سريعة و حكيمة، لكن للأسف و من خلال التجارب العملية في السنتين الماضييتين إن المسؤولين لدينا في مؤسسة النقد و وزارة المالية يؤمنون بالمبادي المالية الرأسمالية بصورة أكبر من المسؤولين الماليين الأمريكيين و لذا لن يتدخلوا من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مدخرات الوطن و المواطن لأن في ذلك بعد عن النماذج التي درسوها في الجامعة و مارسوها في السنين الماضية، و ليتهم يتعلمون من الموقف الأخير للحكومة الأمريكية التي تدخلت بقوة من أجل التقليل من تأثير هذه الأزمة!.

    Reply
  4. شبايك

    حتما سيرحل بوش الصغير ومعه لقب أسوأ رئيس أمريكي مقارنة بمن سبقوه، وأؤمن أن هذا التداعي كان سيحدث إم آجلا أو عاجلا، لكن ما عجل به حقا هو المغامرات الأمريكية العسكرية الفاشلة، في أفغانستان والعراق، ما كلف الموازنة الأمريكية الكثيرة، وجعل الاقتصاد الأمريكي مكشوفا عاجزا أمام معالجة مثل هذه التقلبات…

    لكن عصام، ليس الاقتصاد الأمريكي فقط الذي يقوم على الربا، كما فهمت من ختامك بالآية الكريمة، هناك اقتصاديات أخرى تعيش على معاملات أكثر ربوية من أمريكا ذاتها، ولم تنهار هذه بعد، ما أريد أن اقوله، ومع إيماني الشديد بالآية الكريمة، هناك حتما أسبابا إضافية عجلت بما يحدث في أمريكا..

    لكن سؤال المليون يا عصام، ما هي انعكاسات هذه الأزمة علينا في بلاد العرب، حيث عملاتنا كلها مرتبطة بالدولار، إلا من رحم ربي…

    Reply
  5. فهد الحازمي

    قرات مقالاً بالأمس يتحدث عن انهيار الامبراطورية الأمريكية بفعل هذه الأزمة، ويستعرض بعض الدلائل على الانهيار وكانت الأزمة المالية أبرز عناوين هذا المقال،
    في الحقيقة أنا بعيد كل البعد عن الاقتصاد وعالمه حتى أكاد أفهم الأزمة المالية الحالية، وأثرها على الأسواق العالمية ، لكن كل عام وانتم بخير ،وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال

    << تصريفة ^_^

    Reply
  6. مريم

    بداية تساقط الدول هو انهيار اقتصادها وهذا ما بدا واضحا للحكومة الأمريكية وهذا نتيجة

    لاستجابة دعوات المنكوبين في أفغنسان والعراق وفلسطين وغيرها من الدول الاسلامية ,

    الحمدلله أن الدينار الكويتي استقل عن الدولار الأمريكي بطوة جريئة سبق بها دول الخليج ,

    ولكن انهيار أسواقهم المالية يتم ربطه بانهيار أسواقنا ولكن ان حدث العكس

    وانتعش فهل لنا نج تعليل لاستمرارية انهيار سوقنا المستقل !؟

    هي دورة مالية ولكن ليس لنا نصيب منها الا الانهيار !

    أما عملية ضخ الترليون ما هي الا فضيحة لحزب بوش فلا بد من الترقيع ولو على حساب

    الشعب المثخن بالرهن العقاري , فيا سبحان الله التنفيع أيضا يسري لديهم

    وليس مقتصر عند ربعنا (:

    Reply
  7. Pingback: الأزمة المالية إلى اين؟ « الازمة المالية العالمية

  8. الآء

    رائع بحق

    تقرير صحفي وافي :)

    هذه بداية انهيار الحكومة الأمريكية

    سمعت مؤخراً أن البنوك البريطانية قامت “تُأسلم” مصارفها تدريجياً

    ربما اقتنعت أن النظام المالي في الإسلام هو الأفضل من حيث الربح
    والأقل مشاكلاً وخسائراً

    الأخ عصام:
    تسرني زيارتك لمدونتي والتعليق على تدويناتي ..

    Reply
  9. عبدالرحمن المحيا

    الاخ / عصام

    تحليل رائع للأزمة
    بالفعل العالم يتغير
    سير الاعمال وسوق المال أسرع بكثير من ملاحقتها بالتشريعات الضابطة
    والنتيجة العكسية صارت نظام يعتمد على الدولة بشكل أكبر خلال المحكات
    مازالت الدنيا بخير
    انا متفائل دائماً
    ستتجاوز الدول الكبرى هذا المطب لأن لها قامة أطول
    أما الدول النامية والنايمة والمتنامية …أعتقد بأنها ستقف على شفير هذا المطب فترة أطول
    بانتظار عربة كالحة او جرافة تصدمها من خلف

    تحياتي

    Reply
  10. Pingback: ترا راس مالها مدونه وبيالة شاي وسوالف » I B R A H I M

  11. أحمد العريفي

    الحمد لله وأتمنى من كل متعامل بالربي أن يأخذ عبرة وكذلك البنوك العربية يجب أن تاخذ عبرة ويتخلصون من الربا

    المشكلة الآن أن الريال والكثير من العملات مربوطة بالدولار, أتمنى الحكومة السعودية تدخل تدريجيا عملات جديدة حتى نحصل على سلة عملات وأظن هذا ما فعلته الكويت الشقيقة

    وبخصوص الآية الكريمة (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)
    هي بدون حرف “و” جرى التنبيه للأهمية -هذا الموقع قد يفيد في البحث عن الآيات http://quran.al-islam.com/Search/Search.asp- وتشكر على هذا التحليل المالي

    Reply
  12. شبايك

    كان هذا التعليق في بداية الأزمة :) …. ولا تنس مثلا أن اقتصاد كندا لا زال صامدا، على سبيل المثال لا أكثر، نعم تأثر بحكم الجوار، لكني لا زلت أقول، هناك عدة أسباب مجتمعة لهذه الأزمة، منها الربا بالطبع، والطمع، والحروب الاستعمارية من جديد، وأشخاص غير مؤهلين يقودون بلادهم إلى ما لا يحمد عقباه…

    حمد لله على السلامة، نورت إلإمارات كلها…

    Reply
  13. شبايك

    عصام، هذه المقالة تعبر أكثر عما كنت أقصده، بخاصة هذi الفقرة:
    “””””””””
    الاقتصادية – د. أنس بن فيصل الحجي 28/10/2008

    ورغم إيماني بأن الإسلام، الدين الشامل والكامل، هو الحل، ورغم إيماني الكامل بأن الربا بجميع أشكاله حرام، وأن جميع البيوع التي تتحايل على الربا حرام، إلا أنني لا أستطيع أن أخفي دهشتي من المقالات التي نعت الرأسمالية والعولمة وحرية الأسواق، والمقالات والتعليقات التي يقصر فيها كتابها سبب الأزمة على الربا، موحين بأنه لو حرّمت أمريكا الربا لما حصلت الكارثة. طبعا لم أفاجأ بهذه المقالات، ولكن فاجأني منطقها. مثلا، ماذا سيكون موقف هؤلاء الخطباء والكتّاب والمعلقين لو تجاوز الاقتصاد الأمريكي هذه الأزمة وبدأ بالنمو من جديد؟ وماذا لو حصل هذا النمو والازدهار في فترة انخفضت فيها أسعار النفط وبدأت دول الخليج بتحقيق عجز في موازناتها وبدأت بالاستدانة من الدول التي يشمت بعضهم فيها الآن؟ والأنكى من ذلك، ماذا لو بدأت هذه الدول بالاستدانة من البنوك نفسها التي يشمت بعضهم فيها الآن؟ هل ما أقوله ضرب من الخيال، أم أنه يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها؟
    “””””””””””””

    الرابط
    http://www.argaam.com/Portal/Content/ArticleDetail.aspx?articleid=83174

    http://www.alaswaq.net/views/2008/10/28/19248.html

    Reply
  14. عصام الزامل Post author

    اخي شبايك

    قرأت مقال أنس الحجي.. وهو مقال جميل جدا.. واتفق مع أغلب ما جاء فيه.. ولكن ليس كله.

    لو قرأت مقالي.. فأنا لم أشر من قريب ولا من بعيد للرأسمالية :)

    وعنونت الفقرة الثانية من مدونتي ب (نهاية حقبة النموذج الأمريكي للسوق الحرة).. ولم أقل نهاية الرأسمالية :)

    والسبب بكل بساطة.. ان الرأسمالية في جوهرها ليست شرا محظا.. ولا تتنافى (برأيي) مع الاقتصاد الإسلامي. فلو جردنا الرأسمالية من كل ما أضيف لها.. فهي بكل بساطة.. أن للأفراد الحق في التملك وتملك مصادر الإنتاج.. بالإضافة الى كون السوق هو من يحدد الأسعار وليست الحكومات. وهذه الأساسيات تتفق مع جاء في الإسلام.

    ولكن.. اذا تحدثنا عن الجانب المالي في الإقتصاد العالمي بقيادة أمريكا.. فإنني لا أشك لحظة أن السبب الرئيسي للكارثة المالية الحالية سببها الأدوات المالية التي اخترعتها البنوك الغربية.. وهي أدوات محرمة شرعا كالمشتقات المالية وبيع الديون الخ.. وجميع هذه المشتقات تقف على هرم مشترك هو الفائدة المحرمة (الربا).

    واقوم حاليا بكتابة مقال يتكلم عن التفريق بين الرأسمالية ومايحدث بالعالم.. واوضح فيه.. ان ما يقال عن نهاية (الرأسمالية) لا يمت للواقع بأي صلة.

    تحياتي

    Reply
  15. محمد الشربيني

    خش علي مدونة THE FUTURE OF MONEY واعمل سيرش علي كلمة ISLAMIC
    حتلاقي سلسلة مواضيع جامدة اوي عن كيقية علاج الاسلام للازمة المالية العالمية وليه البنوك الاسلامية لم تتاثر بالازمة العالمية ومازالت تحقق ارباح برغم الخسائر الكبيرة التي منيت بها البنوك الغربية

    Reply

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>