صندوق النقد: هكذا تتجنبون عجز الميزانية

ينشر صندوق النقد الدولي تقريرا سنويا عن وضع الاقتصاد بالسعودية على المدى القصير والمتوسط. وهو يعد أهم تقرير يتعلق بتشخيص الاقتصاد السعودي. وسأكتب سلسلة من المقالات لنقاش أبرز ما جاء في تقرير هذه السنة.

بدأ التقرير بالإشارة إلى النمو القوي للاقتصاد خلال السنوات الماضية، وذلك بسبب الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط بالإضافة إلى استمرار الإنفاق الحكومي المرتفع في مشاريع البنية التحتية، كما أشار التقرير إلى انخفاض معدل التضخم سنة 2014 إلى 2.7% بسبب انخفاض أسعار الغذاء عالميا. وهذا الانخفاض في التضخم يتناقض مع التصور السائد من أنّ ارتفاع الأسعار سببه ارتفاع تكاليف العمالة الناتج عن قوانين وزارة العمل.

أما عند الحديث عن النمو المتوقع للاقتصاد السعودي على المدى القريب والمتوسط، فإن التقرير أشار إلى أن التوقعات إيجابية لعامي 2014 و 2015، حيث يتوقع أن يصل النمو في 2015 إلى 4.5%.

أما أخطر ما جاء في التقرير هو التوقعات بخصوص مواجهة عجز في الميزانية سنة 2015، فالاستمرار في نمو المصروفات الحكومية على السلع والخدمات والمشاريع الرأسمالية يؤدي إلى ارتفاع سعر النفط التعادلي، وسعر النفط التعادلي هو السعر الذي تحتاجه الحكومة لكي يغطي الميزانية، هذا السعر التعادلي كان حوالي 78 دولارا عام 2012 وارتفع إلى 89 دولارا عام 2013. ويتوقع أن يستمر في الارتفاع حتى يتجاوز سعر النفط، مما يعني أننا سنواجه عجزا في الميزانية، وحسب توقعات الصندوق فإنه من المتوقع أن نبدأ بمواجهة العجز في 2015 ويستمر العجز بالتصاعد حتى يصل إلى 7.5% من إجمالي الناتج المحلي عام 2019.

الارتفاع السنوي في الميزانية بسبب زيادة الإنفاق سيرفع السعر التعادلي للنفط، وزيادة إنتاج النفط في أمريكا ستؤدي إلى زيادة المعروض النفطي العالمي وانخفاض الأسعار، كما أن الرفع المتوقع من قبل البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في أسعار الفائدة، قد يؤدي إلى تباطؤ النمو العالمي وبالتالي انخفاض الطلب على النفط وانخفاض أسعاره.

في نفس التقرير يقترح الصندوق على الحكومة السعودية بعض الإجراءات التي يمكنها أن تجنب السعودية الوقوع في هذا العجز من خلال ضبط المصروفات المالية للحكومة.

كانت أبرز الاقتراحات هي تحديد الوظائف الحكومية غير الضرورية وإلغاؤها عند خلوها من شاغليها، وذلك لتقليص إجمالي ما تنفقه الحكومة من رواتب حكومية أو على أقل تقدير للحد من النمو في هذا البند من المصروفات. كما يقترح الصندوق أن تتم إعادة تقييم المشاريع التي بدأتها الحكومة، وتأجيل بعضها أو إلغاؤها. ويقترح الصندوق زيادة مصادر دخل الميزانية من خلال فرض ضريبة على العقارات، بالإضافة إلى زيادة الرسوم على الخدمات الحكومية، وأخيرا رفع أسعار الطاقة.

بعض هذه الاقتراحات يستحيل تنفيذها حاليا لأسباب سياسية – خاصة اقتراح رفع أسعار الطاقة وتقليص معدلات التوظيف في القطاع الحكومي، أما اقتراح تقليص الإنفاق الحكومي على المشاريع، فسيكون له أثر سلبي حاد على مستوى النمو في القطاع الخاص ومستوى النمو في الاقتصاد ككل. القطاع الخاص يعتمد بشكل كبير جدا على الإنفاق الحكومي. تباطؤ النمو في القطاع الخاص يعني أن معدل خلق فرص عمل جديدة في هذا القطاع سيتقلص، وسترتفع على إثر ذلك معدلات البطالة، حيث سيدخل سوق العمل في العشر سنوات القادمة أكثر من 3 ملايين سعودي.

خياران أحلاهما مر، الاستمرار بمستويات الإنفاق الحالي قد يعرضنا لعجز في الموازنة الحكومية وبالتالي ستتآكل الاحتياطيات التي راكمناها من فوائض النفط في السنوات الماضية، وإبطاء الإنفاق سيؤدي إلى إبطاء نمو الاقتصاد وزيادة معدلات البطالة. للأسف هذا الوضع وصلنا إليه بسبب فشلنا في تنويع الاقتصاد خلال الثلاثة عقود الماضية، وما زال القطاع الحكومي من خلال عوائد النفط هو من يغذي الاقتصاد ويضمن استمرارية نموه، وهو وضع غير قابل للاستدامة.

 

تعليقات فيس بوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>