لماذا عادت أمريكا للصناعة؟ (1\2)

في منتصف التسعينات ساد رأي عام بين المحللين وصناع القرار في أمريكا أن المستقبل هو للاقتصاد الجديد، وأن الصناعة (الصناعات التحويلية) في طريقها للأفول. الاقتصاد الجديد هو كل القطاعات التي تندرج تحتها البرمجيات، الإنترنت، الترفيه، الخدمات المالية، وغيرها من الخدمات المتقدمة. كان الزخم شديدا تجاه تلك القطاعات الجديدة، قمة الاندفاع تجاه الاقتصاد الجديد – كما يسمونه – تمثل في فقاعة الإنترنت في سوق الأسهم الأمريكية (فقاعة الدوت كوم) التي كانت بين عام 1997 و2000 ووصلت ذروتها في مارس 2000، وبعدها انفجرت تلك الفقاعة في 2000-2001.

ترافق هذا الزخم مع تزايد انتقال صناعات كثيرة للدول النامية خاصة الدول  الآسيوية وعلى رأسها الصين، وكان كثير من الاقتصاديين يجادلون بأن تلك مرحلة حتمية، ينتقل فيها الاقتصاد من القطاعات التي تتطلب يد عاملة رخيصة إلى قطاعات أخرى ذات قيمة مضافة أكبر. ولكن ما لم يتنبه له كثيرون أن تلك المصانع كانت توظف شريحة كبيرة من أصحاب المؤهلات المتدنية (أقل من جامعية)، وكانت تلك الوظائف توفر لهم مستوى معيشي مناسب جدا، يجعلهم في مصاف الطبقة المتوسطة. الأمر الآخر أن القطاعات غير الصناعية بطبيعتها أقل قابلية للتصدير، فالخدمات تشكل أقل من ثلث الصادرات الأمريكية رغم أن نسبة الصناعة من إجمالي الاقتصاد لا تتجاوز 20%. بالتالي فقد أدى تآكل القطاع الصناعي لارتفاع العجز التجاري وهو الذي بدوره أدى لارتفاع عجز ميزان الحساب الجاري، أي أن أمريكا تستهلك من العالم أكثر مما تعطي أو تنتج. هذا العجز في ميزان الحساب الجاري يجب تغطيته من خلال بيع سندات أمريكية أو أصول أمريكية، فالذي يحدث فعليا أن أمريكا تبيع جزءا من نفسها بشكل مستمر من أجل أن تستورد وتستهلك من العالم، وسنة بعد سنة تتراكم الديون على أمريكا حتى وصلت لأرقام قياسية غير مسبوقة وتجاوزت في السنوات الأخيرة 16 ترليون دولار (60 ألف مليار ريال). لم تتوقف سلبيات انتقال المصانع للخارج عند هذا الحد، الذي حدث أنه حتى القطاعات الأكثر تقدمات كالأبحاث والتطوير والتصميم بدأت بالانتقال للخارج، حيث تبين أن هذه القطاعات تنمو وتزدهر بمجرد نشوء الصناعات، لذلك فقد بدأت كثير من وظائف الخدمات الهندسية وغيرها من الخدمات المتعلقة بالانتقال للخارج.

هذا التآكل في القطاع الصناعي لم يكن قابلا للاستدامة، وبدأت بوادر الأزمة تلوح خلال العقد الماضي حتى وصلت ذروتها عند الأزمة المالية العالمية في 2007-2008. فتحت تلك الأزمة الباب لصناع القرار في أمريكا لإعادة توجيه الدفة في الاتجاه الصحيح، وبدأت عملية الإصلاح وإعادة أحياء القطاعات الصناعية ودعمها.

تعليقات فيس بوك

3 thoughts on “لماذا عادت أمريكا للصناعة؟ (1\2)

  1. Pingback: لماذا عادت أمريكا للصناعة؟ (2/2) : : مدونة عصام الزامل

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>