الصناعة هي الحل

لا يختلف اثنان أن اقتصادنا يعتمد حاليا على مصدر دخل رئيسي واحد وهو النفط، ولا يختلف أحد ايضا أن هناك خطورة شديدة في الاعتماد على النفط، لأن النفط سلعة ناضبة، وسيأتي وقت لن يكون النفط كافيا للمحافظة على نمو الاقتصاد أو المحافظة على المستوى المعيشي للمواطن، ولذلك فإن غالبية الاقتصاديين والمختصين يطالبون دائما بالبدء بتنويع حقيقي للاقتصاد، حتى نتمكن من الانعتاق من اعتمادنا شبه الكلي على النفط، وحتى المسؤولين في الدولة يشيرون أيضا لأهمية تنويع الاقتصاد ويتحدثون باستمرار عن خطط ذلك التنويع. لكن رغم اتفاق الغالبية على أهمية تنويع الاقتصاد، وأهمية إيجاد بدائل لهذا الاقتصاد، إلا أن هناك اختلافا في الاستراتيجية التي يجب اتباعها حتى يمكن بناء اقتصاد مستدام متين لا يعتمد على سلعة واحدة وهي النفط.

بعض المنادين بتنويع الاقتصاد يشيرون إلى أهمية القطاع الخدمي في تسريع النمو الاقتصادي، وأنه البديل الأمثل والأنسب لاقتصادنا، وبعضهم ينادون بما يسمى اقتصاد المعرفة، وهو مصطلح فضفاض، لا يتفق اثنان على تعريف واحد له، وللأسف، فإن اقتصاد المعرفة أصبح المصطلح السائد على ألسنة المسؤولين، رغم أنه لا يعبر عن شيء واضح الملامح. وأخيرا، وهو الرأي الذي أتفق معه، هناك من يعتقد أن الصناعة هي السبيل الوحيد للتحول الحقيقي لاقتصاد منتج مستدام لا يعتمد على النفط.

الصناعة هي جوهر النمو الاقتصادي، ولا يوجد أي اقتصاد متقدم بدولة كبيرة نسبيا لا تشكل الصناعة عنصريا رئيسيا فيه. ولتوضيح الصورة، فقد قمت بحساب الناتج الصناعي للفرد – حسب الأرقام المنشورة في البنك الدولي – في جميع الدول التي يقترب عدد سكانها من عدد سكان السعودية أو يزيد، وبنفس الوقت يقترب فيها دخل الفرد من الناتج القومي لدخل الفرد بالسعودية أو يزيد، وقارنته بالناتج الصناعي للفرد في السعودية. وتتضمن قائمة تلك الدول: اليابان، ألمانيا، أمريكا، كوريا الجنوبية، هولندا، إيطاليا، كندا، استراليا، فرنسا، إسبانيا، والمملكة المتحدة. أعلى دولة في الإنتاج الصناعي هي أمريكا، بإنتاج يتجاوز 6.6 ترليون ريال، وأقل دولة كانت استراليا التي كان إنتجاها الصناعي حوالي 369 مليار ريال سعودي، أما السعودية فلم يتجاوز إنتاجها الصناعي 164 مليار ريال سعودي. لكن الرقم الأهم ليس حجم الإنتاج، وإنما حجم الإنتاج للفرد، حيث تصدرت اليابان حجم الإنتاج للفرد بحوالي 31 ألف ريال سنويا للفرد، والأقل كان المملكة المتحدة بحوالي 14 ألف ريال سنويا للفرد. أما السعودية فلم يتجاوز الإنتاج الصناعي السنوي للفرد 5600 ريال. أما معدل الإنتاج الصناعي للفرد سنويا في تلك القائمة فبلغ حوالي 20 ألف ريال.

الرقم المنخفض للسعودية الذي لم يتجاوز 5600 ريال مقارنة بمتذيلة الدول وهي المملكة المتحدة بحوالي 14 الف ريال، لم يأخذ بالاعتبار أن أغلب الإنتاج الصناعي في السعودية هو انتاج البتروكيماويات، التي تعتمد على الغاز الرخيص، والتي قد تشكل أكثر من 50% من الإنتاج الصناعي، أي لو استثنينا انتاج البتروكيماويات فإن انتاج الفرد الصناعي لن يتجاوز 3000 ريال للفرد.

المعدلات المرتفعة للإنتاج الصناعي للفرد في الدول المتقدمة اقتصاديا، تدل بشكل واضح أن كل المزاعم بأنه يمكن تنويع الاقتصاد وبناء اقتصاد منتج من دون التوجه للصناعة، هي مزاعم ليس لها ما يثبتها، فكل دول العالم، حتى التي نعتقد أنها تخلت عن الصناعة، ما زالت تعتمد بشكل كبير على الإنتاج الصناعي، ومن دون ذلك الإنتاج لن تستطيع تلك الدول المحافظة على المستوى المعيشي لمواطنيها ولا على متانة اقتصادها.

إن كنا نريد أن نضع استراتيجية واضحة الملامح، بعيدة عن الخطط الفضفاضة – كالاقتصاد المعرفي، فأفضل مؤشر هو مستوى النمو الصناعي ومدى قربنا من مستويات الإنتاج العالمية، فليكن هدفنا أن يصل انتاج الفرد لأكثر من 20 الف سنويا خلال عشرين سنة من الآن، وبذلك نضمن أن الأجيال القادمة يمكنها أن تحافظ على نفس المستوى المعيشي، سواء بقي النفط أو نفد.

تعليقات فيس بوك

5 thoughts on “الصناعة هي الحل

  1. Pingback: الصناعة في سويسرا وسنغافورة | مدونة عصام الزامل

اترك رداً على seo Dunstable إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>