مركبات الموت

“نشر مؤخرا تقرير يدّعي أن السيارات ستصل سرعتها لأكثر من 100 كيلومتر في الساعة، هذا التقرير الحالم الذي يرّوج لمنافع الوصول لهذه السرعات، هو مجرّد منشور إعلاني وليس له قيمة علمية، فهذه السرعات يستحيل الوصول لها في المركبات التي يقودها الأفراد غير المحترفين، وتجاهل التقرير الأخطار الجسيمة لمركبات تسير بهذه السرعات العالية جدا، والتي تشكل تهديدا كبيرا على الأرواح.

لقد تناسى التقرير أن أي مركبة تصل سرعتها لأكثر من 100 كيلو متر في الساعة وتصطدم بأي جسم آخر ستتهشم ويتهشم معها قائدها وكل ركابها، فقدرة الإنسان المحدودة تجعله عاجزا عن تفادي حالات الاصطدام في هذه السرعة، لأن ردة الفعل البشرية تتأخر أجزاء من الثانية، ولكن هذا التأخير كفيل بحدوث اصطدام مميت. كما أن المكابح مهما بلغت قوتها فإنها لن تستطيع إيقاف السيارة بالوقت المناسب، فقوة الدفع الذاتي ستجبرها على الانزلاق، وحتى لو استطاعت تلك المكابح أن توقف السيارات لحظيا فإن السائق لن يستطيع البقاء في كرسيه وستتهشم عظامه داخل المركبة أيضا. بالإضافة لذلك فإن الإطارات التي تصنع منها عجلات السيارة لا يمكنها تحمل الحرارة العالية، فعند الوصول لهذه السرعة المرتفعة سترتفع درجة حرارة الإطار وقد يؤدي ذلك لانفجار لحظي للإطار، هذا الانفجار سيؤدي حتما إلى إنقلاب السيارة أو اصطدامها بسيارة أخرى وتعريض حياة الناس للخطر. الخطر لا يقتصر على ركاب السيارة أو قائدها أو حتى ركاب المركبات الأخرى، ولكنه يتعدى أيضا إلى تهديد المشاة في الطرقات، هذه المركبات التي تنتقل بسرعات عالية جدا، ستحصد أرواح الآلاف من الناس الذين يتنقلون مشيا على أقدامهم في الطرقات العامة.

المقلق هو أن لا يكون ذلك التقرير مجرد تقرير عابر، وإنما قد يكون بالون اختبار أطلقه صنّاع السيارات لمعرفة ردة فعل الناس والخبراء تجاه انتاج سيارة بهذه السرعات المميتة، من المؤسف أن يصل الجشع وحب المال لدرجة تدفع البعض لصناعة تلك المركبات التي يمكن تسميتها بمركبات الموت، وتمرير ذلك من خلال دغدغة مشاعر الناس بأن ذلك سيزيد من راحتهم ورفاهيتهم وربما انتاجيتهم، إننا هنا نتحدث عن أوراح بشرية قد تُحصد بالآلاف، ولا قيمة للراحة أو الانتاجية او غيرها عندما يكون نقاشنا عن الأنفس البشرية، يجب أن تعمل السلطات جاهدة لمنع أي شركة سيارات تفكّر في إنتاج مركبات الموت تلك، ويجب أن نعمل جميعا للتنبيه من أخطارها وعواقبها على المجتمع”.

المقال السابق هو مقال (تخيّلي) مفترض كتبه أحد النقاد ردا على تقرير (تخيّلي) نشر عام 1900 ميلادي يتنبأ بأن سرعة السيارات ستصل لأكثر من 100 كيلو متر في الساعة. المقال من الناحية النظريّة كان موضوعيا، وأغلب ما كتب فيه حقيقي، فوصفه لمخاطر السيارات بهذه السرعات أمر واقع نشاهده يوميا، فحوادث السيارات تحصد أرواح أكثر من 1.2 مليون شخص سنويا، وهي السبب الرئيسي للوفاة لمن هم بين سن 10 و 24 سنة، وتكلفة هذه الحوادث سنويا تزيد على 518 مليار دولار.

ولكن رغم كل تلك المخاطر والتكاليف البشرية والمادية فإن السيارات أصبحت جزءا أساسيا من حياة كل الناس وجزءا اساسيا من اقتصاد أي دولة، ولا أعتقد أن أي شخص يمكنه التفكير في منع قيادة السيارات، فالأمور لا تقاس بحجم المخاطر فحسب، وإنما أيضا بحجم المنفعة. من السهل جدا سرد سلبيات أي اختراع جديد، أو سلبيات أي قانون جديد، أو سلبيات أي تغيير، ولكن الصعب هو معرفة المنافع التي سيجنيها الناس من هذا (الجديد) أيا كان. عندما نقرأ أي نقد أو سرد للسلبيات يجب أن نضع نصب أعيننا أولا حجم المنفعة، ومن خلال ذلك يمكننا الحكم على الأشياء واتخاذ الموقف المناسب تجاه ذلك الجديد. وأخيرا، تقارير حكومية في أمريكا قارنت عدد قتلى حوادث الطرقات خلال المئة سنة الماضية، وجدت أن معدل الوفيات بسبب المركبات التي تجرها الخيول قبل مئة سنة يساوي 7 أضعاف عدد الوفيات بسبب حوادث السيارات اليوم.

تعليقات فيس بوك

9 thoughts on “مركبات الموت

  1. خالد

    فكرة المقال جميلة … كم من قانون و إختراع و أفكار و أيضا منتجات حَوربت من أجل سلبيات قد نتفهمها مع الزمن و نتفع بإجابياتها

    بورك قلمك أستاذ عصام

    Reply
  2. طلال الظفيري

    كم هي رائعه فكرة المقال أستاد عصام ..فعلا” فحوادث السيارات جدا مخيفه ..وخاصة في طرق السفر عندنا بالسعوديه .تخيل في كثير من الطرق لدينا عباره عن شارع واحد فقط للرايح والجاي أضف انها ايضا بدون اناره .. اصبح الواحد قبل لايسافر يتشهد على روحه ..طبعا” المسؤولين الكبار وعلية القوم مايهمهم الطرق لانهم يسافرون على طياراتهم الخاصه ولذلك المطارات عندنا كثيره .. السؤال الاهم لماذا لايوجد عندنا قطارات دوله اشبه بقاره كالمملكه هذا المشروع لايعد ترفا” بل هو مشروع تنموي وحيوي ..والسلام

    Reply

اترك رداً على خالد إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>