هل تنتهي الدولة الأبوية في السعودية؟

تتواتر الأنباء عن حزمة إصلاحات اقتصادية جذرية مرتقبة في السعودية، تداولت تلك الأنباء والتسريبات العديد من الصحف العالمية، والتي تحدثت عن نية الحكومة في السعودية الإعلان عن حزمة من الإصلاحات الاقتصادية لمواجهة انخفاض أسعار النفط ولإصلاح التشوهات الاقتصادية المتراكمة لعقود. زاد مصداقية تلك التسريبات لقاء الصحفي الأمريكي توماس فريدمان مع ولي ولي العهد ورئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان، والتي تحدث خلالها الأمير محمد بن سلمان عن ملامح خطته الاقتصادية، حيث أشار إلى أن أهم التحديات الاقتصادية التي تواجهها السعودية هو الاعتماد المفرط على النفط وطريقة إعداد وإنفاق الميزانية الحكومية. كما ذكر أنه يخطط لتقليل الدعم الذي يذهب للأثرياء، برفع أسعار الوقود والكهرباء والماء. وتحدث عن احتمالية فرض ضريبة مبيعات.

كانت العشر سنوات الماضية حافلة بمشاريع ضخمة في البنية التحتية، فمع ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية استثمرت الحكومة السعودية مئات المليارات في مشاريع البنية التحتية، وارتفع الناتج المحلي (بالأسعار الجارية) من 1.2 ترليون ريال في 2005 إلى 2.8 ترليون ريال في 2014. أي بزيادة تجاوزت نسبتها 140%، أسهم بتلك الزيادة الارتفاع الكبير في الإنفاق الحكومي المترافق مع ارتفاع أسعار النفط. كما أنفقت الحكومة بشكل سخي على قطاع التعليم وفتحت باب الابتعاث على مصراعيه، ولكن في المقابل خلت تلك الفترة تقريبا من إصلاحات اقتصادية جذرية – باستثناء الإصلاحات المتعلقة بسوق العمل وزيادة نسب التوطين في القطاع الخاص.

أما اليوم فيواجه الاقتصاد السعودي تحديات حقيقية بسبب انخفاض أسعار النفط إلى ما دون 50 دولار للبرميل. ورغم وجود احتياطيات ضخمة من العملة الأجنبية تصل إلى أكثر من 2500 مليار ريال إلا أنها قد لا تكون كافية لتفادي تأثير انخفاض أسعار النفط، فمستويات العجز مرتفعة، وستتجاوز 400 مليار ريال هذه السنة، وتقديرات صندوق النقد الدولي تشير أن هذا الاحتياطي قد ينفد خلال خمس سنوات إذا لم تقلص الحكومة السعودية إنفاقها بشكل كبير، حيث أنفقت الحكومة في عام 2014 أكثر من 1100 مليار، بينما لن تتجاوز عوائد الحكومة لسنة 2015، بسبب انخفاض أسعار النفط، 600 مليار سعودي.

كان الإنفاق الحكومي المتزايد هو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي خلال السنوات الماضية، فقد ارتفع حجم المصروفات الحكومية الفعلية من 346 مليار ريال في عام 2005 إلى أكثر من 1100 مليار في عام 2014 أي بزيادة تتجاوز نسبتها  215% كما أسهم في هذا النمو التدفق المستمر لأعداد كبيرة من العمالة الوافدة للمساهمة في مشاريع البنية التحتية، والتي ارتفعت في القطاع الخاص حسب الأرقام الرسمية من 3.6 مليون في عام 2005 إلى 5.7 مليون في عام 2014، بزيادة نسبتها  58%. ترافق هذا النمو الاقتصادي مع ارتفاع كبير في مستويات استهلاك الطاقة، حيث ارتفع عدد البراميل النفطية التي نستهلكها محليا لإنتاج الطاقة من 2 مليون برميل في عام 2005 إلى 3.2 مليون في عام 2014، أي بارتفاع نسبته تجاوزت 60%.

بالإضافة لكل ذلك فقد ارتفعت أعداد الموظفين في القطاع الحكومي بنسبة كبيرة وتجاوز عددهم في 2014 أكثر من 3.2 مليون وارتفع إجمالي ما تدفعه الحكومة من مرتبات وبدلات إلى أكثر من 310 مليار ريال في عام 2014، أي أكثر من كامل المصروفات التي أنفقتها الحكومة في عام 2004، وهو يعني أن الحكومة تحتاج اليوم إلى سعر برميل نفط يتجاوز 30 دولارا فقط لتغطية فاتورة المرتبات الحكومية. كما استمر الدعم الحكومي للوقود والكهرباء ومدخلات الإنتاج في المصانع وبعض السلع الاستهلاكية الأخرى، حيث تشير التقديرات إلى أن قيمة الدعم المقدم من الحكومة تتجاوز 300 مليار ريال سنويا.

كان النمط الاقتصادي في السعودية خلال العشر سنوات الماضية امتدادا للعلاقة الاقتصادية بين الحكومة والمواطنين خلال الأربعة عقود الماضية، وهي علاقة أشبه بالعلاقة الأبوية، الحكومة توفر احتياجات المواطنين، وتدعم أسعار السلع التي يحتاجون إليها، وتوفر لهم الوظائف الحكومية المريحة ذات المرتبات المرتفعة نسبيا، كما تسهم الحكومة في تقليل التكاليف على القطاع الخاص من خلال توفير الطاقة الرخيصة ومدخلات الإنتاج المدعومة وفتح الباب لهم لاستقدام العمالة الرخيصة. ولكن هذا النوع من العلاقة الأبوية يعتمد استمراره بشكل شبه كامل على استمرار عوائد النفط المرتفعة، التي تمثل أكثر من 90% من دخل الحكومة. ومع انخفاض أسعار النفط إلى أقل من 50 دولار خلال أقل من سنة، فإن استمرار تلك العلاقة يبدو صعبا أو حتى مستحيلا.

ربما كان نمط الدولة الأبوية قابلا للاستمرار لمدة أطول لو كانت أعداد المواطنين بضعة ملايين، ولكن في بلد يتجاوز فيه عدد المواطنين 20 مليونا، ومجموع عدد سكانه يتجاوز 30 مليونا، فإن هذا النمط لا يمكن له أن يستمر، فالإنفاق الحكومي المتزايد رفع من سعر التعادل – وهو سعر النفط المطلوب لتغطية الإنفاق الحكومي – من أقل من 30$ في عام 2005 إلى أكثر من 100$ في 2015. حيث ارتفع مستوى الإنفاق الحكومي من 346 مليار ريال في 2005 إلى أكثر من 1100 مليار ريال في 2014. كما أن الأعداد الضخمة من العمالة الوافدة رفعت من حجم التحويلات إلى الخارج، حيث تجاوز حجم الحوالات في سنة 2014، 150 مليار ريال، أي أنها تمثل أكثر من 25% من حجم العوائد النفطية المتوقعة لهذه السنة، كما أن تلك العمالة تكلف الحكومة أكثر من 50 مليار ريال كقيمة للدعم الذي تستفيد منه العمالة من استهلاك الوقود أو الكهرباء أو الغذاء. أما استهلاك النفط محليا فقد تجاوز حجمه 4 ملايين برميل، وذلك من إجمالي إنتاج للنفط يصل إلى حوالي 11 مليون برميل، يتم تصدير حوالي 7 مليون منه إلى الخارج ويستهلك الباقي محليا. هذا النمو المتزايد من الاستهلاك المحلي للنفط سيؤثر مستقبلا في قدرة السعودية على تصدير النفط.

وما يزيد من صعوبة الوضع هو دخول أكثر من 3 ملايين مواطن لسوق العمل خلال العشر سنوات القادمة. لن تستطيع الحكومة أن توفر لهم وظائف في القطاع الحكومي المتضخم أصلا، كما أن القطاع الخاص يعتمد في نموه على نمو الإنفاق الحكومي، وبالتالي فإنه لن يكون قادرا على خلق ما يكفي من الوظائف لاستيعاب كل تلك الملايين من المواطنين في ظل الخفض المتوقع للإنفاق الحكومي مع استمرار انخفاض أسعار النفط.

ربما كانت النوايا جيدة في تبني نموذج الدولة الأبوية خلال العقود الأربعة الماضية، وكان صنّاع القرار يهدفون لرفع مستوى رفاهية المواطن، وإعادة توزيع ثروة النفط من خلال تلك القنوات. بالإضافة إلى ضمان الاستقرار السياسي الذي يرتبط بشكل مباشر بالاستقرار الاقتصادي ورفع مستوى الرفاه. ولكن الضرر الذي ترتب على هذا النموذج الاقتصادي كان عميقا جدا، وتشكل بسببه اقتصاد مشوّه وهش وغير منتج. فما زلنا نعتمد بشكل شبه كلي على النفط، فأكثر من 90% من إيرادات الحكومة مصدرها النفط، حيث فشلنا خلال الأربعة عقود الماضية في تنويع مصادر دخل الحكومة، كما فشلنا في تنويع مصادر الدخل للاقتصاد بشكل عام، فالنفط هو المحرك الرئيسي لكل الاقتصاد، كما أنه يمثل أكثر من 80% من صادراتنا، ولا تشكل صادراتنا غير النفطية أكثر من 200 مليار ريال، بينما يتجاوز حجم ما نستورده من العالم أكثر من 800 مليار ريال، يضاف إليها حجم ما ندفعه للعمالة الأجنبية التي تتجاوز فاتورتهم أكثر من 150 مليار سنويا، وإنفاق المواطنين في السياحة الخارجية الذي يتجاوز حجمه 70 مليار ريال سنويا، أي أن مجموع ما نستهلكه من العالم يفوق 1000 مليار ريال (267 مليار دولار) ، بينما لا نقدم للعالم – من غير النفط – أكثر من 200 مليار ريال (53 مليار دولار) وحتى لو أضفنا لهذا الرقم عوائدنا من الحج والعمرة – وهي حوالي 60 مليار ريال (16 مليار دولار) سنويا –  فإن الرقم لن يتجاوز 260 مليار ريال (69 مليار دولار).

كما أن قلب الاقتصاد ومصدر خلق الوظائف الرئيسي وهو القطاع الخاص أصبح يعتمد بشكل شبه كامل على العمالة الرخيصة، التي تمثل أكثر من 80% من العاملين فيه، كما أن وفرة هذه العمالة الرخيصة خفضت من مستويات الرواتب بشكل حاد في القطاع الخاص، وخلقت فجوة كبيرة بين رواتب القطاع الحكومي ورواتب القطاع الخاص، كما أن العمالة الرخيصة قتلت أي حافز لرفع الإنتاجية، فمع وفرة اليد الرخيصة لا تضطر الشركات إلى الاستثمار في الأتمتة ولا إلى رفع الكفاءة لتقليل الاعتماد على العنصر البشري. كما أدى الاعتماد على العمالة الوافدة إلى ظهور تشوه آخر، وهو اعتماد القطاع الخاص على لغة تختلف عن اللغة الأم، في حالة فريدة وشاذة لا نشاهدها إلا في السعودية ودول الخليج، حيث يدرس المواطنون 12 سنة باللغة العربية، ثم يطلب منهم أن يعملوا بلغة أخرى غير لغتهم الأم، مما يؤدي إلى انخفاض حاد في إنتاجية المواطن لدى دخوله القطاع الخاص، انخفاض في الإنتاجية لا يمكن أن يلام عليه المواطن، الذي يطلب منه العمل بلغة غير لغته الأم كأنه هو المهاجر وليس ابن البلد. لقد تحول القطاع الخاص بسبب كل تلك التشوهات الاقتصادية المتراكمة إلى قطاع طفيلي غير قادر على البقاء إلا باستمرار الدعم الحكومي ووفرة العمالة الرخيصة، وكلما نما هذا القطاع كلما زاد التشوه وزاد استهلاك هذا القطاع للموارد الاقتصادية، بدءا بالاستهلاك المسرف للطاقة الرخيصة وانتهاءً بزيادة العمالة الرخيصة التي تحوّل سنويا عشرات المليارات من الريالات إلى خارج البلاد.

كل تلك التشوهات جعلت الاقتصاد السعودي هشّا ومعرضا للهزات مع أي انخفاض في أسعار النفط، مع استهلاك للموارد يتضخم يوما بعد يوم من دون أن ينجح الاقتصاد في زيادة حجم الكعكة، بل إن الكعكة أصبحت أصغر مع انخفاض أسعار النفط، وعدد من يتقاسمها أصبح أكبر بكثير.

إذا كان نمط الدولة الأبوية غير قابل للاستمرار، فإنه لا بديل أمام الحكومة إلا البدء في رحلة التحول لاقتصاد منتج، اقتصاد يخلق ثروته بأيدي مواطنيه وليس بمقايضة نفط يستخرج من تحت الأرض لشراء سلع العالم واستيراد العمالة الرخيصة. اقتصاد منتج يضمن استدامة مستوى الرفاه الحالي مهما كان مصير ومستقبل أسعار النفط. وأولى خطوات رحلة التحول لاقتصاد منتج هي إزالة التشوهات الاقتصادية الموجودة حاليا لتمهد البيئة الملائمة لبناء اقتصاد منتج وصناعي، وقادر على النمو الصحّي المستدام. كما أن إزالة تلك التشوهات ستكون أولى خطوات بداية النهاية للدولة الأبوية.

أبرز ملامح تلك الخطوات هو رفع الدعم الحكومي عن أسعار الوقود والكهرباء وغيرها من السلع والخدمات، وربما الاستعاضة بهذا الدعم، بدعم المواطنين نقدا وبشكل مباشر، وتقليص التوظيف الحكومي إلى الحد الأدنى، وتقليص استقدام العمالة الاجنبية إلى الحد الأدنى، وتخفيض سعر صرف الريال، وفرض ضريبة على المبيعات، وفرض ضريبة على دخل الأفراد والشركات. بالإضافة إلى ذلك، كسر الاحتكارات في بعض القطاعات الاقتصادية المهمة كالبنوك وشركات الإسمنت وبعض القطاعات الخدمية الحيوية والتشديد في تنفيذ رسوم الأراضي البيضاء للقضاء على احتكارات الأراضي بشكل كامل.

كثير من تلك الإصلاحات أشار إليها الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه مع توماس فريدمان، ولكن من المستبعد جدا أن تقوم الحكومة بتطبيق كل تلك الإجراءات في المدى القصير أو حتى المتوسط. ولكن على الأرجح – إن صحت التسريبات – فإن بعضا من تلك الخطوات ستقوم بها الدولة خلال الفترة القريبة القادمة – أو ربما مع بداية السنة الميلادية الجديدة حسب ما ألمحت له بعض التسريبات.

ولكن، سواء تم تطبيق كل الخطوات أو تطبيق جزء منها، فإن لتلك الإصلاحات تكاليف سياسية واجتماعية باهظة. فكل تلك الإصلاحات دون استثناء ستؤثر سلبا في المستوى المعيشي الحالي للمواطن وتقلل من مستوى رفاه المجتمع، كما ستؤثر سلبا في مستوى ربحية الشركات، بل قد تؤدي إلى خسارة أو إفلاس بعض الشركات التي تعتمد في ربحيتها على الدعم والتسهيلات الحكومية.

من طبيعة الإصلاحات الاقتصادية الجذرية أنها مؤلمة، وأن لها دائما الكثير من الضحايا، سواء كانوا من المواطنين أو من القطاع الخاص، بل إن هذا الألم الذي يصحب الإصلاحات الاقتصادية الجذرية هو الذي يميزها عن الإصلاحات السطحية أو التحسينات التي لا تمس التشوهات الهيكلية، فرفع كفاءة القطاعات الحكومية أو وضع مؤشرات لقياس الأداء لتلك القطاعات، رغم أهميته، إلا أنه لا يمكن أن يصنف كإصلاحات جذرية. بل إن رفع الكفاءة مع وجود تشوهات هيكلية قد يكون ضرره أكبر من نفعه، فهو أشبه بزيادة سرعة سيارة تسير في الاتجاه الخاطئ.

هذه السمة التي تميز الإصلاحات الاقتصادية الجذرية – سمة الألم وكثرة الضحايا – هي التي تجعل كلفة هذه الإصلاحات الاقتصادية سياسيا مرتفعة، وهي التي تدفع السياسي إلى تأجيلها كثيرا، فيتم شراء الاستقرار على المدى القصير، أو كسب رضا الناس، على حساب الاقتصاد على المدى الطويل.

ولأن التشوهات الاقتصادية في السعودية تراكمت على مرّ عقود وغرست أنيابها في كل شبر من جسد الاقتصاد، فإن ضرر تلك الإصلاحات سيشمل الجميع دون استثناء، وستتضرر منها شرائح واسعة من المجتمع، ولا شك أنها ستجد اعتراضات كثيرة وردود فعل شعبية غاضبة ورافضة لتلك الإصلاحات.

إذا كان لتلك الإصلاحات المرتقبة كلفة سياسية اجتماعية عالية، وفي نفس الوقت كانت تلك الإصلاحات ضرورية جدا لبناء اقتصاد منتج مستدام يضمن أن تعيش الأجيال القادمة بالسعودية بنفس مستوى الرفاه الذي يعيشه المواطنون اليوم أو أفضل، فكيف يمكن أن تنفذ الحكومة في السعودية تلك الإصلاحات بالحد الأدنى من الكلفة السياسية، وكيف تقلل من الرد الفعلي السلبي المتوقع إلى أدنى حد ممكن؟

إن الانتقال من ضفة الاقتصاد الريعي الأبوي إلى ضفة الاقتصاد المنتج المستدام، يتطلب بناء جسر من الثقة بين المواطنين والحكومة يضمن انتقالا سلسا بين الضفتين، هذا الجسر لا يمكن بناؤه إلا إذا قامت الحكومة بعدة خطوات لكسب ثقة الناس وجعلهم مهيئين لتحمل كلفة الإصلاحات مهما بلغت.

أولى خطوات بناء جسر الثقة هي المصارحة. من الضروري أن تشارك الحكومة المواطنين بحقيقة المخاطر التي تواجه الاقتصاد السعودي. يجب أن يعلم المواطنون أن النفط قد لا يعود لمستوياته السابقة، وأن استمرار أسعاره بهذه المستويات سيجعل السعودية تواجه أزمة اقتصادية حادة، أزمة يجب التعامل معها في أقرب وقت ممكن، لتقليل ضررها، وأن تصارح الحكومة المواطنين بأنه لا بديل عن الإصلاحات الاقتصادية التي ستؤثر سلبا في مستوى الرفاه لغالبية المواطنين. كما يجب أن يتوقف الخطاب الرسمي الذي ما زال يجمّل في الوضع الاقتصادي، الخطاب الذي ما زال مستمرا في طمأنة المواطن بأن الاقتصاد السعودي متين ولا يتأثر بانخفاض أسعار النفط. فهذا الخطاب – بالإضافة إلى أنّه غير صحيح – لا يخلق الأرضية المناسبة لتقبل الإصلاحات الاقتصادية المكلفة، بل إنه سيدفع المواطن للتساؤل: إن كان كل شيء على ما يرام، فلماذا تقوم الحكومة بهذه الإجراءات التي تجعل حياتي أكثر صعوبة؟

يجب أن يعرف المواطنون أن الاقتصاد ليس بخير، وأن الإصلاح الاقتصادي إن لم يبدإ اليوم، فإن غدا سيكون متأخرا جدا، وستكون فاتورة الإصلاح وكلفته أعلى، والألم أكبر. وأن يعرف المواطنون بأن التأخر في تنفيذ هذه الإصلاحات سيؤجل الكارثة، ولكنها ستكون كارثة أصعب، وربما تكون كارثة لا يمكن علاجها في ذلك الحين.

الخطوة التي يجب أن تلي مصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع الاقتصادية هي توعيته بأهمية الإصلاحات الاقتصادية، وأن يعرف المواطنون بشكل تفصيلي الهدف من كل قرار اقتصادي، وأن يعرفوا تأثيره على حاضرهم، وتأثيره على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم. يجب أن يتم حشد كل وسائل الإعلام من أجل هذا الدور التوعوي، فعندما يعي المواطن ضرورة تلك القرارات فإنه سيكون أقرب لتقبلها.

أما الخطوة الأهم والأكثر تأثيرا في بناء جسر الثقة وضمان متانته فهي: محاربة الفساد. هناك انطباع سائد لدى شرائح واسعة من المجتمع – إن لم نقل كل المجتمع – أن الفساد مستشرٍ في كل أوصال الدولة. هذه القناعة بانتشار الفساد تجعل المساس بالدعم الحكومي الذي يستفيد منه المواطنون أمرا صعبا. فمن الصعب أن نتوقع أن يقبل المواطن برفع سعر الوقود أو الكهرباء وهو يعتقد جازما باستشراء الفساد. فكل مساس بالدعم والمزايا التي يتلقاها المواطنون، سيجرّهم للتساؤل: لماذا يستمر الفاسدون في استنزاف أموال الدولة بينما نتحمل وحدنا فاتورة الإصلاح الاقتصادي؟ وهو سؤال بديهي وليس من السهل الإجابة عنه. ولذلك لا خيار إلا بنزع أسباب هذا السؤال من خلال إعلان حرب حقيقية على الفساد، والإعلان عن خطوات عملية تزرع الاطمئنان بين المواطنين بأن الفساد لن يكون له مكان بعد اليوم. خطوات كفرض قانون كشف الذمة المالية، لمتابعة حسابات وأرصدة كل المسؤولين الحكوميين، وهو قانون تأخر كثيرا، وسيسهم بشكل فعّال في تقليل الفساد. كما أن محاكمة سرّاق المال العام مهما كانت مناصبهم، وإدانة من تثبت عليه التهمة، والتشهير به، سيكون له أثر السحر في زيادة ثقة المواطنين. فمن دون محاربة الفساد لا يمكننا أن نطلب من المواطن بشد الحزام، بينما هو يعتقد جازما أن غيره يستأثر بخيرات البلد من دون وجه حق.

بالإضافة إلى المحاربة الجادة للفساد المباشر، يجب وقف الهدر المالي في القطاعات الحكومية وزيادة دور الأجهزة الرقابية، ورفع مستوى الشفافية في كل ما يتعلق بقنوات الصرف. كما أن قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء لكسر الاحتكارات – وهو قرار يمكن تصنيفه ضمن الإصلاحات الاقتصادية الجذرية – يمكن أن يستفاد منه لرفع مستوى الثقة لدى المواطنين والبرهنة على أن الجميع متساوون أمام القانون، وذلك من خلال تطبيق هذا النظام على الجميع دون استثناء وخاصة على أفراد الأسرة الحاكمة الذين يملك بعضهم مساحات واسعة جدا من الأراضي البيضاء.

وأخيرا فإن زيادة المشاركة الشعبية في القرار السياسي والاقتصادي ستكون صمام أمان إضافيا ولبنة مهمة لجعل جسر الثقة قادرا على تحمل كل القرارات مهما كان وزنها وكلفتها على المواطنين. فعندما يشعر المواطن أنه مشارك في القرارات التي تؤثر في مستقبله وأن صوته مسموع وأنه قادر على التأثير والتغيير وقادر على المشاركة في المحاسبة والرقابة، فإن ذلك كفيل بأن يجعله مقتنعا أنه جزء حقيقي من أي عملية إصلاحية اقتصادية، ولن يتردد في تقبل هذه الإصلاحات بل سيكون على الأرجح عنصرا فعالا في تبني تلك الإصلاحات ونشر الوعي بأهميتها.

زيادة مستوى التمثيل الشعبي ألمح له الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه مع توماس فريدمان حين قال الأمير: “حكومة ليست جزءا من المجتمع ولا تمثلهم، من المستحيل أن تستمر”. كما أن الأمير محمد بن سلمان ألمح قبل ذلك، في برنامج عرض على قناة العربية، بقناعته أن يكون أعضاء المجالس المحلية في المناطق منتخبين. الأمل هو أن يتم الإعلان عن أولى خطوات زيادة التمثيل الشعبي بالتزامن مع حزمة القرارات المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية.

إن على عاتق القيادة في السعودية مسؤولية كبرى اليوم، فنافذة الإصلاح الاقتصادي ربما لن تبقى مفتوحة لأكثر من 3 إلى 5 سنوات. إن مرت تلك السنوات من دون إصلاحات اقتصادية جذرية، فقد يكون الوقت قد فات، وستكون الإصلاحات ذات كلفة اجتماعية وسياسية لا يمكن تحملّها ولا يمكن توقّع عواقبها.

تملك القيادة السعودية اليوم رصيدا سياسيا شعبيا مرتفعا كما تملك الحكومة احتياطيات أجنبية ضخمة تتجاوز 650 مليار دولار، الرصيد السياسي والاحتياطي الأجنبي كلاهما قد يتآكل إذا استمرت مستويات أسعار النفط الحالية وازداد الوضع الاقتصادي سوءا ولم تبدإ الدولة بإصلاحات اقتصادية حقيقية، وتآكل الرصيد السياسي ورصيد الاحتياطيات الأجنبية هو ما سيجعل الإصلاحات أصعب كثيرا بعد سنوات. لذلك فإن اليوم هو الوقت الأمثل لاستخدام هذا الرصيد السياسي المرتفع لتمرير القرارات الاقتصادية الصعبة قبل فوات الأوان، ولكن رغم ارتفاع الرصيد السياسي الشعبي للقيادة في السعودية فإنه من المهم دعم هذا الرصيد بشكل أكبر لضمان مرور الإصلاحات بالحد الأدنى من ردود الفعل الشعبية السلبية، وذلك من خلال بناء جسر من الثقة بين الحكومة والشعب، بمصارحته بحقيقة الأوضاع الاقتصادية ونشر الوعي بكل ما يتعلق بالإصلاحات الجذرية التي نحتاج إليها والمحاربة الحقيقية لكل أشكال الفساد والمحسوبيات، وزيادة مستوى التمثيل والمشاركة الشعبية في القرارات الحكومية.

رحلة التحول من اقتصاد ريعي أبوي إلى اقتصاد منتج مستدام لن تكون رحلة سهلة وستتطلب تكاتفا من كل الأطراف. وكما أن المواطن سيتضرر على المدى القصير من تلك الرحلة، فإن من حقه أن يتأكد أنه لن يتحمل وحده فاتورة انخفاض النفط وفاتورة الإصلاحات الاقتصادية.

يجب أن تجعل الدولة الاقتصاد المشوه عدوا قوميا، وتجعل مهمة إصلاح هذا الاقتصاد مهمة وطنية، يُحشد من أجلها كل المواطنين. ويجب شيطنة التشوه الاقتصادي الحالي كما يتم شيطنة الأعداء السياسيين، وأن تبعث الحكومة برسالة واضحة لكل المواطنين مفادها أن هذا الاقتصاد المشوه هو التهديد الأول والأخطر على الاستقرار والأمن، بالإضافة لكونه تهديدا لمستوى الرفاه الذي يعيشه المواطنون. إذا ترسخت تلك القناعة لدى كل مواطن، ونجحت الدولة أيضا في بناء جسر الثقة، فأنا على يقين أن الجميع سيكون مستعدا للتضحية، وسيخطو لعبور جسر الثقة الذي تم بناؤه، عندها سنكون واثقين بأننا سننجح في عبور الجسر والتحول من الدولة الأبوية إلى الدولة المنتجة الفتية.

هل يمكن أن تفشل رسوم الأراضي؟

بعد إعلان الحكومة فرض رسوم الأراضي، استقبل المواطنون والمهتمون بالشأن الاقتصادي هذا الخبر بسعادة بالغة، فهو في نظر الكثيرين الخطوة الأولى الحقيقية في اتجاه حل أزمة الإسكان. ورغم تلك السعادة البالغة بهذا القرار، إلا أن كثيرين بدؤوا بطرح مخاوفهم من فشل هذا القرار في كسر الاحتكار وتخفيض أسعار الأراضي، وهو تخوف مبرر، فقد تجاوزنا الآن مرحلة القرار وبدأنا مرحلة التنفيذ، بدءا بإنهاء الآليات المتعلقة بالرسوم وانتهاء بفرضها فعليا والبدء بجباية الرسوم، لذلك فمن المهم البدء بنقاش التفاصيل والآليات لضمان نجاح القانون.

هل يمكن أن تفشل الرسوم على الأراضي البيضاء في كسر الاحتكار وبالتالي تفشل في تخفيض أسعار الأراضي؟ الجواب: لا. لا يمكن أن تفشل الرسوم في كسر الاحتكار وتخفيض أسعار الأراضي إذا تم وضع آليات صحيحة وتم تنفيذ القانون على الجميع. القرار من الناحية الاقتصادية قادر على تخفيض أسعار الأراضي، ففي حال فرض رسوم تتجاوز 2.5% من قيمة الأرض. بحيث تدفع هذه الرسوم سنويا، ويطبق القانون على الجميع، فإن ذلك كفيل بدفع غالبية ملاك الأراضي إلى التخلص من أراضيهم وبالتالي ارتفاع معروض الأراضي وانخفاض الأسعار. فلا يمكن لغالبية الملاك تحمل تلك الرسوم. ولو افترضنا جدلا أن 2.5% غير كافية، فإن الحكومة قادرة ببساطة أن ترفع تلك الرسوم أكثر، إلى أن تصل إلى مستوى يستحيل معه استمرار محتكري الأراضي من حبس أراضيهم وحرمان المواطنين والمطورين من الاستفادة منها.

في المقابل ومن الناحية النظرية، يمكن أن تفشل الرسوم لو وضعت آليات سيئة تسمح للتجار بأن يتجاوزوا أثر الرسوم، على سبيل المثال: لو فرضت رسوم لا تتجاوز 0.5%، أو فرضت الرسوم عند البيع فقط وليس على جميع الأراضي وبشكل سنوي، أو تطبيق القانون على قلة قليلة غير مؤثرة على السوق. كل هذه السيناريوهات متوقعة، ولكنها غير مرتبطة بنجاح آلية الرسوم بذاتها، بل مرتبطة بسوء الآليات أو سوء التطبيق، وهذا ما لا نتمناه، وهو أيضا ما لا نتوقعه. ودور المختصين والكتاب هو التنبيه على أية أسباب محتملة لفشل القانون بالإضافة إلى متابعة تطبيقه والتأكد من أنه يشمل الجميع بلا استثناء. لدي ثقة كاملة أن هناك إرادة حقيقية لحل أزمة الإسكان، وأن هذه الرغبة ستبدأ من خلال كسر احتكار الأراضي وتخفيض أسعارها لتمكين المواطن من امتلاك السكن بسعر معقول.

فجر اقتصادي جديد

في قرار تاريخي طال انتظاره كثيرا، أعلن مجلس الوزراء عن موافقته على فرض الرسوم على الأراضي البيضاء. استقبل غالبية المواطنين هذا القرار بسعادة شديدة، واستبشر كثيرون بأن هذا القرار دليل ملموس على أن هناك نية حقيقية لحل أزمة الإسكان.

قرار فرض الرسوم على الأراضي البيضاء هو – برأيي – أول خطوة جادة لإنهاء أزمة الإسكان. كانت هناك محاولات كثيرة ومبادرات متعددة لحل الأزمة، منها مشروع بناء 500 ألف وحدة سكنية من قبل وزارة الإسكان، ولكن كل تلك المبادرات فشلت في تقليل حدة الأزمة، بل إن الوضع ازداد سوءا في الفترة الأخيرة، وتجمد سوق العقار تماما بعد أن وصلت الأسعار إلى مستويات لا يستطيع تحملها إلا قلة قليلة جدا من المواطنين، ربما لا تتجاوز نسبتها 5%.

قرار فرض الرسوم – إذا وضعت الآليات المناسبة – سيجعل ممارسات احتكار الأراضي من الماضي، وسينجح هذا القرار في كسر تلك الاحتكارات التي لم يقتصر ضررها في زيادة حدة أزمة السكن، ولكن امتد ضررها إلى كل جوانب الاقتصاد، فقد كان احتكار الأراضي عائقا حقيقيا لحركة عجلة التنمية الاقتصادية، فقد تعدّى ضرر الاحتكار المواطن العادي، فتضرر منه أيضا المستثمر الذي يريد استئجار محل تجاري، أو بناء مشروع، وتضررت منه الحكومة، التي بدأت تواجه صعوبة حتى في إيجاد الأراضي المناسبة لبناء خدماتها كالمستشفيات والمدارس.

بعد أن تبدأ جباية الرسوم، ستتحرر عشرات وربما مئات من المليارات من الريالات من تلك الأراضي، وستنتقل تلك الأموال في قنوات استثمارية سيكون لها نفع أكبر على المجتمع. فبعد أن كان كثير من أصحاب الأموال يكتنزون أموالهم في تلك الأراضي لسنوات طويلة، ويفضلونها على أي استثمار، لن يجد هؤلاء بدا من وضع أموالهم فيما ينفع الاقتصاد والمجتمع.

لن أبالغ إن قلت أن هذا القرار بمثابة فجر جديد للاقتصاد السعودي، وهو برأيي أهم قرار اقتصادي في الثلاثة عقود الماضية. وسيكون جليا للجميع خلال سنوات قليلة من بدء تطبيق القانون آثاره الإيجابية على الاقتصاد السعودي ككل، وليس فقط كوسيلة لحل أزمة الإسكان التي يعاني منها غالبية المواطنين.

الشعب الياباني الكسول

“صحيح أن مرتباتهم قليلة، ولكن العائد من عملهم متدن جدا، من الواضح بالنسبة إلى أنهم لا يضعون أي قيمة للوقت، وقد قال لي مديرهم أنه يستحيل تغيير عادات وتقاليد البلد” – هكذا يصف أحد المستشارين النمساويين العامل الياباني في عام 1900. ويصف سيدني غوليك وهو مبشّر أمريكي عاش في اليابان بين 1888-1913 المواطن الياباني بالكسل وعدم الاكتراث بالوقت.

هكذا كانت نظرة الغرب لليابانيين في بداية القرن العشرين، ولم تكن تلك وجهة نظر شاذة لدى الغرب تجاه المواطن الياباني. فقد كان الرأي السائد عنهم في الغرب أنهم شعب كسول وغير مكترث وأخلاقيات العمل لديه ضعيفة جدا. وأن هذا الضعف مرتبط بالثقافة والتقاليد اليابانية التي لا يمكن أن تتغير والتي لن تمكنهم من التحول لدولة صناعية متقدمة.

اليوم، ينظر العالم للياباني كأكثر موظفي العالم نشاطا والتزاما بالعمل، وأطولهم ساعات دوام. لا يغادر الياباني مكتبه إلا بعد أن يغادر مديره المكتب، وتطول ساعات عملهم لتصل إلى أكثر من 12 ساعة يوميا. من العيب لدى الياباني أن يغيب عن العمل بسبب مرضه، وإذا اشتد المرض ولم يستطع الذهاب للعمل، فإنه يأخذ من إجازته السنوية وليس من إجازته المرضية، ولا يأخذ الياباني إجازته السنوية من أجل الراحة إلا نادرا جدا، لدرجة أن الحكومة اليابانية تدرس جديا فرض قانون لإجبار الموظفين في اليابان بأخذ 5 أيام إجازة على الأقل سنويا. إذا تأخرت عن الدوام دقيقة واحدة، سينظر لك الجميع بازدراء، وسيُصدمون لو غادرت المكتب بمجرد نهاية الدوام الرسمي في الساعة الخامسة مساء. بعد أن كان الغربي ينظر إلى الياباني كمواطن كسول وغير مبال، أصبح الغربي ينظر إليه باستغراب! فالغربي يعمل من أجل أن يعيش، بينما يعيش الياباني من أجل أن يعمل.

في بداية القرن العشرين (1913) كان متوسط دخل الياباني حوالي 1300 دولار، بينما كان المتوسط العالمي 1500 دولار، ومتوسط دخل المواطن الأمريكي حوالي 5300 دولار. اليوم يحتل الياباني أعلى مراتب الدخل بالعالم وأكثره إنتاجية. كيف تحول هذا الشعب الكسول غير المبالي، لأحد أكثر الشعوب إنتاجية وحرصا على العمل؟ هل تغيرت جينات الياباني؟ أم هل قامت اليابان بحملة لتثقيف شعبها وزرع قيم العمل والإنتاج؟ الجواب: لا هذا ولا ذاك.

ما حدث في اليابان يُسقط كل النظريات التي تربط قدرة الدول على النمو والازدهار بثقافة تلك الشعوب وتقاليدها، كل دولة قادرة على النهوض، وكل شعب قادر على أن يتحول إلى شعب منتج مثابر. ولكن الذي ينقله من حال إلى حال، هو شكل الاقتصاد ونوعه. الاقتصاد هو الذي يشكّل ثقافة المجتمع وليس العكس. إذا وضعت الدولة سياسات اقتصادية تدفع بالبلد إلى الأمام، وتكافئ المنتج، وتجعل مواطنيها يشعرون بأن لعملهم أثرا إيجابيا، وأن بلدهم يوما بعد يوم تزداد ازدهارا وتنمية، فإن ذلك كاف لتغيير طريقة حياة ذلك الشعب، وجعله عاشقا للعمل والإنتاج. عندها فقط، سيضع ذلك الشعب قدمه على طريق النهضة، وسينجح خلال عقود قليلة بأن ينهض ببلده ويجعلها بمصاف أكثر الدول تقدما وحضارة.

لماذا تفشل الأمم

قبل ثلاث سنوات أصدر جيمس روبنسون ودارون أشيموجلو – وهما أكاديميان من جامعة إم آي تي – كتاب “لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر” أو “لماذا تفشل الدول” (Why Nations Fail). أثار الكتاب اهتمام الباحثين في مجال الاقتصاد والاقتصاد السياسي، وصنف كأحد أهم الكتب في مجاله. وقد صدرت مؤخرا الترجمة العربية لهذا الكتاب وهي تباع في معرض الكتاب المقام حاليا بالرياض.

تتلخص فكرة مؤلفي الكتاب أن فشل الدول ونجاحها اقتصاديا ليس له علاقة بالموقع الجغرافي لتلك الدولة، كما أنه ليس له علاقة بثقافة سكان تلك الدول وعاداتهم أو قيمهم الدينية أو عرقهم. وإنما، تنجح الدول أو تفشل بسبب شكل مؤسساتها الاقتصادية والسياسية ونوعها.

حيث يسرد المؤلفان شواهد تاريخية كثيرة للدول التي استطاعت أن تنهض باقتصادها، وكان العنصر المشترك في تلك الدول هو وجود مؤسسات اقتصادية وسياسية تشاركية. أي مؤسسات غير محتكرة من قبل قلة قليلة وإنما شاملة وضامة لكل أو أغلب شرائح المجتمع. فنمو اقتصاد أي دولة يعتمد بشكل أساسي – حسب وجهة نظر مؤلفي الكتاب – على قدرة تلك الدولة على فرض حقوق الملكية، وإيجاد أرضية تنافسية متساوية للجميع، وتحفيز الاستثمار في التقنيات الجديدة والمهارات التي تدفع بالتنمية الاقتصادية، وهذه العناصر لا يمكن أن تتوفر إلا بوجود مؤسسات اقتصادية وسياسية تشاركية.

في المقابل تفشل الدول عندما يتم احتكار المؤسسات الاقتصادية والسياسية. فعندما يسود الاحتكار قطاعات الاقتصاد، يتوقف التنافس، ويغيب حافز الإبداع والابتكار في المجال الاقتصادي، فيتباطأ الاقتصاد ويعجز عن النمو بسرعة كافية للوصول لمصاف الدول المتقدمة اقتصاديا. كما يرتكز النمو – المؤقت – لتلك الدول التي يسود فيها احتكار قطاعات الاقتصاد على استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية من دون تقديم قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد، فتنمو تلك الدول لسنوات أو ربما عقود ثم يتوقف الاقتصاد عن النمو أو ينهار تماما – كما حدث في الاتحاد السوفييتي على سبيل المثال.

التخطيط الاقتصادي في العصر الحجري

بين كل فترة وأخرى، يطل علينا وزير الاقتصاد محمد الجاسر، ليطلق تصريحا يستفز فيه غالبية المواطنين. وهي عادة تتكرر كل ثلاثة أشهر تقريبا، ويبدو أن هدفها هو تذكيرنا بوجود وزارة اسمها وزارة الاقتصاد والتخطيط.

آخر تصريحات الوزير محمد الجاسر، والتي أشعلت وسائل التواصل الاجتماعي واستفزت الكثيرين، كانت بخصوص البطالة في السعودية، حيث أشار الجاسر أن البطالة موجودة منذ زمن النبوة، وأن معدلات البطالة معقولة في السعودية وأنها لا تتجاوز 6% بين السعوديين. كما ذكر أن الاقتصاد السعودي يوفر فرص عمل هائلة جدا، مستدلا بوجود 10 ملايين وافد يعملون في القطاع الخاص.

لا أستطيع فهم سبب الاستشهاد بوجود البطالة منذ زمن النبوة، وهو أمر قد يكون صحيحا، فلا توجد دولة بالعالم ولا مجتمع يخلو من البطالة بشكل كلي. ولكن المستفز – حسب رأيي – هو التقليل من خطورة الوضع فيما يتعلق بأزمة البطالة. كما أن الأرقام التي استخدمها الوزير هي أرقام خاطئة أو مضللة، فنسبة البطالة التي ذكرها وهي 6%، بينما نشرت مصلحة الإحصاءات العامة – التي يرأسها الجاسر من خلال وزارة الاقتصاد – أن نسبة البطالة بين السعوديين هي 11.7% وهي نسبة مرتفعة وليست عادية كما يدّعي الجاسر. كما أنها نسبة مرشحة للارتفاع بشكل حاد في السنوات القادمة.

أما استدلاله بعدد الوافدين – الذي يصل إلى عشرة ملايين – لإقناعنا أن فرص العمل وفيرة، فالجاسر يعلم يقينا أن غالبية تلك الوظائف من الوظائف المتدنية جدا، فمعدلات الرواتب عند غير السعوديين لا تتجاوز 1500 ريال، وحسب إحصائيات وزارة العمل فإن أقل من 500 ألف موظف غير سعودي يستلم مرتبا يزيد على 2500 ريال. هذا يعني ضمنا، أن الوظائف القابلة للتوطين حاليا من خلال الإحلال، قد لا تتجاوز 500 ألف وظيفة، في المقابل نجد أن سوق العمل يدخله سنويا أكثر من 300 ألف سعودي، أي أن الإحلال لن يكفي لتغطية سنتين من تدفقات الباحثين عن عمل من السعوديين.

بدل أن يقلل الجاسر من خطورة البطالة، نتمنى منه أن يقوم بدوره – التخطيط الاقتصادي – ويطلعنا على خطته للسنوات العشر القادمة، وكيف سيتمكن الاقتصاد السعودي من خلق أكثر من 3 ملايين وظيفة عالية القيمة للسعوديين، يفترض أن تكون مرتباتها تزيد على 4000-5000 ريال. وبدل الاستشهاد بالوضع الاقتصادي في عصر النبوة، نتمنى أن يخرج بخطة اقتصادية لا تنتمي للعصر الحجري.

توطين الصناعة العسكرية

تحتل السعودية المرتبة الثالثة عالميا في حجم الإنفاق العسكري، بإنفاق يتجاوز 80 مليار دولار (300 مليار ريال)، كما احتلت المرتبة الأولى عالميا في نسبة الزيادة في الإنفاق العسكري، بزيادة بلغت 21% في 2014. جزء من هذه الميزانية يتم إنفاقه على رواتب منسوبي القطاعات العسكرية، ولكن في المقابل أيضا يتم إنفاق عشرات المليارات سنويا في شراء الأسلحة وصيانتها وشراء قطع غيارها. ورغم الإنفاق العسكري الضخم خلال العقود الثلاثة الماضية، إلا أن كل محاولات توطين الصناعة في هذا المجال لم تؤتِ أكلها حتى الآن.

قبل حوالي الأسبوع تم تعيين محمد الماضي – الرئيس التنفيذي السابق لشركة سابك – بمنصب رئاسة المؤسسة العامة للصناعات العسكرية. تعيين شخص بخبرة محمد الماضي الذي كان يرأس أحد أكبر شركات البتروكيماويات بالعالم وأكبر مجموعة صناعية بالمملكة يبعث على التفاؤل بأن هناك توجها حقيقيا هذه المرة لإنجاح توطين الصناعات العسكرية.

ليس المطلوب في هذه المرحلة أن نصنع الطائرات الحربية أو الصواريخ، ولكن لو استطعنا على أقل تقدير صناعة قطع الغيار التي تحتاجها الترسانة العسكرية لوفرنا عشرات المليارات سنويا، وخلقنا آلاف الوظائف. كما أن هذه الصناعات ستمهد الطريق لصناعات أخرى قد تتقاطع بشكل أو بآخر معها في التقنيات المستخدمة. فالصناعات العسكرية في العالم كانت مفتاحا لكثير من التقنيات والاختراعات في العالم، كالإنترنت والأشعة الطبية وغيرها.

بناء قاعدة صناعية هي الخطوة الأولى والأهم لتنويع اقتصادنا وتنويع صادراتنا، ودخول مجال الصناعات العسكرية يصب بهذا الاتجاه، وحتى نضمن الاستفادة الكاملة من الصفقات العسكرية التي نقوم بها، علينا تضمين شروطنا في تلك الصفقات، باشتراط توطين صناعة جزء مما نشتريه وصناعة قطع غياره.