وزير الإسكات

نسمع جعجعة ولا نرى طحينا، هذا هو حال وزارة الإسكان التي تفوقت على جميع الوزارات في الظهور الإعلامي والإعلان عن إطلاق المشاريع تلو الأخرى، وفشلت في تنفيذ أي منها. أكثر من ثلاث سنوات على إعلان مشروع بناء 500 ألف وحدة سكنية، ولم يتم تسليم أي وحدة سكنية لأي مواطن. بل إنّ الوزير في لقائه مع الإعلامي عبدالله المديفر قبل تسعة أشهر أعلن فعليا عن فشل مشروع بناء 500 ألف وحدة سكنية، واستبداله بمشروع أرض وقرض الذي لم يتم الانتهاء منه أيضا. وقبل ذلك أعلنت وزارة الإسكان عن إطلاق مشروع القرض المعجل خلال ثلاثة أشهر. مضى ما يقارب عن السنة، ولم يخرج هذا المشروع إلى النور بعد، أما آلية الاستحقاق، التي يفترض أن تكون الأسهل، وهي التي بدأ الوزير عمليا بالعمل عليها قبل أكثر من خمس سنوات عندما كان يرأس هيئة الإسكان، فهي لم يتم الانتهاء منها أيضا.

استراتيجية وزارة الإسكان خلال السنوات الماضية كانت في استخدام الإعلام لإيصال رسائل مخدرة للناس، حيث استبدلت عجزها عن الإنجاز الحقيقي بمحاولة تخدير الناس وإسكاتهم بالوعود، وفي كل لقاء إعلامي يخرج فيه الوزير، يشعر المواطنون أنهم قاب قوسين أو أدنى من امتلاك بيت الأحلام. فيصرح الوزير أنه سيتم تسليم الوحدات السكنية خلال أشهر. ولكنه لا يذكر كم عدد الوحدات السكنية التي سيسلمها، والتي لا تتجاوز بضعة آلاف في أحسن الأحوال وذلك بسبب الفشل الذريع في تنفيذ مشروع الـ 500 ألف وحدة سكنية. أما الأرض والقرض، فيعلن الوزير أيضا أنه سيبدأ بتسليمها قريبا للمواطنين. ولكنه لم يخبرنا عن إجمالي عدد الأراضي التي حصل عليها، خاصة بالمدن الرئيسية، وكم عدد الأراضي التي ستكون جاهزة للتسليم. ولا يكتفي الوزير بإعلان جزء من المعلومة، ولكنه أيضا يعمل على دغدغة مشاعر المواطنين من خلال الدخول بتفاصيل تلك الوحدات أو الأراضي وكأن المواطن سيستلمها الأسبوع القادم. فيصرح في أحد لقاءاته أن الوحدات لن تكون متشابهة فالمواطنون يحبون التمايز بالألوان والأشكال، كما يشرح بالتفصيل، كيف اهتموا بوضع الحدائق والشوارع الواسعة في المخططات التي تعمل عليها الوزارة. دور الوزير هو أن يكون وزيرا للإسكان، لحل أزمة السكن العالقة منذ سنوات، ولكنه تحول فعليا إلى وزير الإسكات.

هل ازداد السعوديون فقرا؟

سؤال يتكرر دائما، ويدور في المجالس والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعية عبر الإنترنت: "هل ازداد السعوديون فقرا؟" هل أصبحت تكاليف المعيشة أعلى على رب الأسرة؟ هل تآكلت القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة؟ وتآكلت معها الطبقة المتوسطة؟ الحقيقة التي لا تخطئها العين أن تكاليف الحياة ارتفعت بشكل ملحوظ خلال العقود الماضية. والحقيقة الأخرى أن مستويات الرواتب والدخول لم ترتفع بشكل ملحوظ يوازي الارتفاع الذي شهدته أسعار السلع والخدمات والعقار خلال الثلاثة عقود الماضية. ولا يختلف اثنان أن المواطن الذي يعمل موظفا حكوميا في بداية الثمانينات لن يجد صعوبة في توفير تكاليف الزواج وامتلاك منزل وسيارة، بل قد يتمكن من ادخار جزء من دخله للاستثمار في سوق الأسهم أو العقار.

وزير الاقتصاد: الطبقة المتوسطة لم تنكمش ولكن طموحها ازداد

"الطبقة المتوسطة لم تنكمش ولكن طموحها ازداد" بهذه الكلمات رد وزير الاقتصاد محمد الجاسر على سؤال يتعلق بانخفاض مستوى دخل المواطن، وأكد الوزير أن لديهم دراسات تثبت ذلك. قبل أن نوضح حقيقة ما قاله الوزير، أود أن أشير إلى أن الطبقة المتوسطة هي مسألة نسبية، وبالتّالي فهه الطبقة قد لا تنكمش أبدا، حتى وإن انخفض متوسط الدخل للمواطنين بنسبة كبيرة. لأنه يتم احتساب دخلها من خلال مقارنتها ببقية الدخول لكل طبقات المجتمع، حتى الدولة الفقيرة لديها طبقة متوسطة ولكن مستوى معيشتها سيكون أقل بكثير من مستوى الطبقة المتوسطة في دولة غنية. لذلك، السؤال الأدق التي نبحث عن إجابة لها من معالي الوزير هو "هل انخفض وانكمش متوسط دخل الطبقة المتوسطة خلال الثلاثة عقود الماضية أم لا؟"

إذا كانت الشواهد للمواطن البسيط تدل وبوضوح على أن القوة الشرائية لمتوسط الدخل تآكلت بشكل كبير، فإن الأرقام الاقتصادية تثبت ذلك أيضا. في المقالات السابقة، تحدثنا عن طريقة حساب الناتج المحلي الإجمالي ثم طريقة تصحيح هذا الرقم ليأخذ بالحسبان مستوى التضخم وفوارق أسعار صرف العملة، وبعد التصحيح يمكننا تقسيم هذا الرقم على عدد السكان لنخرج بالناتج المحلي الحقيقي للفرد وهو أحد أهم الأرقام التي تعكس مستوى المعيشة والإنتاجية والتقدم الاقتصادي لأي بلد. كما أنها تقيس مستوى النمو الحقيقي ويمكن استخدام الرقم للمقارنة بين أكثر من دولة لمعرفة الدول الأكثر والأسرع نموا.

الناتج المحلي للفرد في السعودية انخفض 35% في آخر 30 سنة

يقوم البنك الدولي سنويا بنشر أرقام الناتج المحلي الحقيقي للفرد في كل دول العالم، كما يوفر البيانات التاريخية لكل دولة لعشرات السنين، أرقام البنك تشير إلى أن الناتج المحلي الحقيقي للفرد في السعودية عام 1980 كان يتجاوز 126 ألف ريال، أما في عام 2011 – وهي آخر سنة نشرت فيها الأرقام – فقد كان الناتج المحلي الحقيقي للفرد في السعودية لا يتجاوز 82 ألف ريال. أي أن الناتج المحلي الحقيقي للفرد في السعودية انخفض بنسبة تصل لحوالي 35%، أما في السنوات العشرين الماضية فلا يكاد يكون هناك أي نمو يذكر في الناتج المحلي الحقيقي للفرد. لنقارن هذه الأرقام مع أرقام كوريا الجنوبية، الناتج المحلي الحقيقي للفرد في كوريا في عام 1980 كان أقل من 21 ألف ريال سعودي (أي أقل من خمس الناتج المحلي الحقيقي للفرد في السعودية في 1980)، وهذا يفسر وجود عمالية كوريا في السعودية في تلك الفترة، وفي عام 2011 تجاوز الناتج المحلي للفرد في كوريا 100 ألف ريال سعودي (أي أكثر من الناتج المحلي الحقيقي للفرد في السعودية بنسبة 20% تقريبا). الناتج المحلي للفرد في كوريا ارتفع بنسبة 400% خلال الثلاثين سنة الماضية. في المقابل انخفض الناتج المحلي للفرد في السعودية بنسبة 35%. في أمريكا وألمانيا ارتفع الناتج المحلي الحقيقي للفرد خلال ثلاثين سنة بحوالي 66%. وفي تركيا ارتفع بأكثر من 125%، بل إنّ الناتج الحقيقي للفرد في العالم كله، بدوله الفقيرة والغنية، ارتفع بمعدل 70% خلال الثلاثين سنة الماضية.

السعودية تتراجع 39 مركزا في ترتيب أكبر ناتج محلي للفرد في العالم

وحتى تكون الصورة أكثر جلاء، فقد كانت السعودية عام 1980 تحتل المرتبة الرابعة كأكبر ناتج محلي حقيقي للفرد في العالم، وفي عام 1990 انخفض ترتيبنا للمرتبة الثامنة والعشرين، ثم شهد ترتيبنا مزيدا من الانخفاض في عام 2000 ليصل للمرتبة الثالثة والخمسين، وأخيرا وصل الترتيب في عام 2010 إلى ثلاثة وأربعين. خلال ثلاثين سنة، أكثر من 39 دولة تجاوزتنا في سباق التنمية الاقتصادية، غالبية هذه الدول ليس لديها دخل نفطي أو مورد طبيعي يضمن لها رؤوس الأموال التي تبني من خلالها البنية التحتية وتحسن التعليم وتدعم الإنتاج والتصنيع، ورغم هذا استطاعت تلك الدول أن ترفع من دخلها سنة بعد سنة.

النفط… ما زال مصدر دخلنا الرئيسي الوحيد

قتامة الصورة لا تقتصر على أن الناتج المحلي الحقيقي للفرد انخفض كثيرا، وأن كثيرا من الدول تجاوزتنا، ولكن المؤلم أنه حتى الناتج المحلي الحالي الذي انخفض، لا يعكس إنتاجية حقيقية، وإنما هو انعكاس لما تصدره الدولة من نفط وما تستهلكه داخليا. اقتصادنا ما زال يعتمد وبشكل شبه كامل على مداخيل النفط، لقد فشلنا في أن ننوع اقتصادانا ونتحرر من اعتمادنا على مصدر وحيد للدخل وهو النفط. إذا كان ناتج الفرد قد انخفض 35% خلال ثلاثين سنة وترتيبنا على العالم تراجع 39 مرتبة رغم أن أسعار النفط وصلت ذروتها في السنوات الأخيرة، وإنتاجنا للنفط بلغ مستويات تاريخية، واستهلاكنا الداخلي له وصل لأرقام غير مسبوقة، فإن الناتج سيشهد مزيدا من الانخفاض لو تعرضت أسعار النفط لأي انخفاض، أو لو ازداد استهلاكنا الداخلي لمستويات أكبر تمنعنا من تصدير كمية كافية من النفط وتقلل عوائد مصدر دخلنا الرئيسي وهو تصدير النفط. وفوق كل ذلك، فإن توزيع الثروة ومستويات الدخل ازداد التفاوت فيه، فبينما كان غالبية المواطنين يعملون في القطاع الحكومي ويستلمون مرتبات متقاربة، تضاءلت فرص العمل في القطاع الحكومي وبدأ التركيز على استقطاب العمالة الوطنية في القطاع الخاص، حيث يحصل موظف القطاع الخاص على مرتبات أقل بكثير (قد تصل لنصف معدل ما يحصل عليه موظف الحكومة)، وهذا يعني نشوء شريحة جديدة من المجتمع تعيش على مستوى دخل أقل من المستوى السائد. الأمر الآخر هو أن النمو العالمي المستمر – حتى في الدول الفقيرة – سيعني حتما ارتفاع أسعار السلع والخدمات في العالم، وبما أننا نعتمد بشكل شبه كامل على استيراد كل ما نستهلك، فإن ذلك سيزيد من الضغوط التضخمية وتتآكل معها القوة الشرائية للمواطن.

النمو الاقتصادي الحقيقي مخرجنا الوحيد من الأزمة

لا خيار لنا، إن أردنا الخروج من تلك الدوامة، إلا بتسريع عجلة النمو الاقتصادي الحقيقي، وليس النمو الاقتصادي القائم على زيادة الدعم الحكومي غير المستدام أو الإنفاق الحكومي المرتبط بزيادة عوائد النفط، عندما يشتكي الناس عبر تويتر وعبر وسائل الإعلام من انخفاض الرواتب وأنها لا تكفي الحاجة، فشكواهم حقيقية ومبررة ولكن ما يعانون منه هو عرض من أعراض المرض الاقتصادي الذي نعانيه، والشكوى التي يجب أن تتجه لها البوصلة هي أن (النمو الاقتصادي لا يكفي الحاجة)، النمو الاقتصادي الحقيقي هو الذي سيرفع مستوى الدخل ويحسن المستوى المعيشي للمواطنين، وهو الذي سيضمن لنا وللأجيال القادمة – بإذن الله – حياة كريمة ورفاهية غير مرهونة بمؤشر أسعار النفط أو تآكل إنتاجه بسبب الاستهلاك المحلي.

 

رسم بياني يوضح مستوى النمو للناتج المحلي الحقيقي للفرد خلال الثلاثين سنة الماضية لكل من السعودية (الخط الأحمر) وأمريكا (الخط الأزرق) وكوريا الجنوبية (الخط البنفسجي)growth

 

ترتيب السعودية بين دول العالم في الناتج المحلي الحقيقي للفرد (عام 1980)
rank1980

 

ترتيب السعودية بين دول العالم في الناتج المحلي الحقيقي (عام 2011)
rank2011

كيف يقاس الناتج المحلي الحقيقي للفرد؟

في المقال السابق تحدثنا بشكل مبسط عن كيفية قياس حجم اقتصاد الدول، وأوضحنا أن أهم معيار لقياس الاقتصاد هو الناتج المحلي الإجمالي، وأنه يقاس من خلال حساب قيمة جميع السلع والخدمات النهائية التي ينتجها اقتصاد الدولة خلال فترة معينة، وفي هذا المقال سنقوم بتوضيح بعض الآليات التي ترفع من دقة هذا المعيار وتجعلها أكثر تعبيرا عن مستوى النمو وحجم الاقتصاد، خاصة من خلال إلغاء أثر التضخم، وبعد ذلك زيادة دقته أكثر حتى نتمكن من مقارنة الناتج المحلي مع بقية دول العالم، حيث أن اختلاف سعر صرف العملات وتقييم العملات بأعلى أو أقل من قيمتها يؤثر على دقة المقارنة من بلد لبلد يفرض على الاقتصاديين إضافة تصحيح آخر على هذا المعيار حتى تكون المقارنة أكثر دقة، بعد القيام بكل ذلك يمكننا تقسيم الناتج المحلي على عدد السكان حتى نحصل على رقم مهم جدا وهو الناتج المحلي الإجمالي للفرد، حيث أن هذا الرقم يعطينا تصور عن مستوى إنتاجية الفرد ومستوى رفاهيته، كما أن المقارنة التاريخية لنمو الرقم يمكننا من الحكم على نجاح السياسات الاقتصادية خلال فترات زمنية مختلفة.

إجمالي قيمة جميع السلع والخدمات النهائية بسعر (السوق) يعطينا الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، السلبية الرئيسية لهذا الرقم أنه لا يأخذ بالحسبان تأثير التضخم، فلو كان إجمالي قيمة السلع والخدمات سنة 2000 على سبيل المثال 1 مليار ريال، وفي سنة 2001 كان الإجمالي 1.1 مليار ريال، وكان التضخم في أسعار السلع 10%، فهذا يعني أن الفارق بين الناتج المحلي بين السنتين سببه التضخم وليس نمو حقيقي في إنتاج السلع والخدمات، لذلك للحصول على ما يسمى الناتج المحلي الحقيقي يجب اختيار سنة محددة كسنة أساس ثم حساب بقية السنوات بناء عليها بعد إلغاء أثر التضخم، باستخدام المثال السابق، لو كان التضخم 4% فقط، وكان النمو الإسمي لقيمة السلع والخدمات التي أنتجها الاقتصاد 10%، فهذا يعني أن النمو (الحقيقي) للناتج المحلي يساوي 6%. وباستخدام بعض البيانات الحقيقية، فإن النمو في السعودية بين عام 2000 وعام 2012 باستخدام الناتج الإجمالي المحلي الاسمي يصل لحوالي 277%. ولكن إذا أخذنا بالاعتبار تأثير التضخم فإن نسبة النمو في الناتج الإجمالي المحلي الحقيقي لا يتجاوز 93%.

الناتج المحلي الحقيقي معيار مناسب جدا لقياس النمو الحقيقي في اقتصاد ما، ولكن عند المقارنة بدول أخرى لها عملات مختلفة، فإن هناك عنصرا جديدا يدخل بالمعادلة، ألا وهو سعر صرف العملة ومدى تأثير سعر الصرف على القوة الشرائية المحلية. ولتصحيح هذا الفارق يتم استخدام ما يسمى بتعادل القوى الشرائية (Purchasing Power Parity). ويتم حساب الفارق في القوة الشرائية للعملات من خلال شراء سلة من السلع والخدمات في الدولة الأولى ومقارنة تكلفة شراء نفس السلة عند شرائها في دولة ثانية. وبعد ذلك يتم احتساب سعر الصرف (المفترض) الذي يجعل القوة الشرائية متساوية في البلدين. وأحد أشهر المؤشرات غير الرسمية التي تبسط هذه الفكرة وتقوم بقياس صرف العملة المفترض هو مؤشر (البيج ماك)، الذي تنشره أسبوعيا مجلة الإيكونمست، حيث يقيس المؤشر تعادل القوى الشرائية للعملة بين دولتين من خلال تقسيم سعر الساندويتش في الدولة الأولى على سعر الساندويتش في الدولة الثانية، ومن خلالها يمكن الحصول على السعر المفترض للصرف.

بعد أن يتم تعديل قيمة الناتج المحلي من خلال إلغاء تأثير التضخم، وبعد أن يتم إلغاء تأثير سعر العملات الذي قد يكون مقيما بأعلى أو أقل من قيمته، يمكن الحصول على الناتج المحلي الحقيقي للفرد ومقارنته بالدول الأخرى، كما يمكن استخدام نفس الرقم لقياس مستوى النمو خلال فترات زمنية مختلفة، وأخيرا يمكن حساب النمو المفترض بحالات مختلفة، على سبيل المثال، إذا غاب عنصر أساسي من دخل الاقتصاد، كالنفط. وبالتالي معرفة ما إذا كان النمو مدفوعا بإنتاج حقيقي مستدام، أم أنه يعتمد على توفر الطاقة الرخيصة غير المستدامة والدخل الريعي غير المستدام.

مقالات متعلقة:

  1. كيف يقاس حجم اقتصاد الدول؟

كيف يقاس حجم اقتصاد الدول؟

قوة الدول السياسية والعسكرية ومستوى رفاهية مواطنيها يرتبط بشكل مباشر بحجم اقتصاداتها، أمريكا تتربع على عرش أكبر الاقتصادات بالعالم، وتمتلك أكبر قوة عسكرية، ولها التأثير السياسي الأقوى في العالم، كما أن شعبها من أكثر شعوب العالم رفاهية. وتتسابق الدول في تنمية اقتصاداتها لتحسين مستوى معيشة مواطنيها ولزيادة تأثيرها العالمي. ولكن كيف يقاس حجم الاقتصاد في دولة معينة؟ وكيف يقاس مستوى إنتاجية الفرد ومستوى رفاهيته في دولة ما؟

أهم معيار اقتصادي لقياس حجم اقتصاد أي دولة هو "الناتج المحلي الإجمالي". والناتج المحلي الإجمالي هو إجمالي قيمة جميع السلع والخدمات النهائية التي ينتجها اقتصاد الدولة خلال فترة معينة. والمقصود بسلع وخدمات (نهائية) هي السلع والخدمات التي يتم استهلاكها فعلا وليس السلع او الخدمات التي تستخدم كوسيط في عملية إنتاج السلع. فلو اشترى مصنع سيارات حديدا بمئة مليون ريال ليصنع سيارات ستباع بالسوق بـ 400 مليون ريال. فإن الرقم الذي سيدخل الناتج المحلي هو الـ 400 مليون ريال، وليس الـ 100 مليون ريال التي تمثل قيمة الحديد الذي استخدم في صناعة السيارة.

الوسيلة الأشهر المستخدمة في حساب الناتج المحلي الإجمالي للوصول لإجمالي قيمة السلع والخدمات النهائية التي ينتجها الاقتصاد هي طريقة (المصروفات). بهذه الطريقة إجمالي الناتج المحلي يساوي الاستهلاك (استهلاك الافراد) زائد الإنفاق الحكومي زائد الاستثمارات زائد الصادرات بعد ذلك يتم خصم الواردات.

ومن خلال معرفة الناتج المحلي الإجمالي يمكن حساب الناتج المحلي للفرد. ولهذا فللرقم أهمية كبرى لأنه مؤشر مفيد لمعرفة مستوى الإنتاجية لمواطني تلك الدولة كما أنه مؤشر لمستوى رفاهية المواطنين. مع ملاحظة أن الناتج المحلي للفرد لن يعطي تصور حقيقي عن إنتاجية الفرد إذا كان اقتصاد الدولة ريعية. لأن غالبية دخل الدولة ناتج من سلعة لا ينتجها المواطنون وإنما يتم استخراجها وبيعها مباشرة من دون أن يكون للفرد دور مؤثر. كما أن الناتج المحلي للفرد يمكِّننا مع معرفة مستوى النمو الاقتصادي في دولة ما من خلال متابعة الرقم خلال ثلاثين سنة على سبيل المثال، خاصة إذا تم تصحيح الأرقام التاريخية لتعكس القوة الشرائية الحقيقية وتأخذ بالحسبان مستوى التضخم.

في المقالات القادمة، سأحاول تسليط الضوء على الناتج المحلي في السعودية، ومحاولة قياس الناتج المحلي للسعودية لو لم يكن النفط موجودا، كما سأقوم بتحليل مستوى النمو الحقيقي للناتج المحلي للفرد منذ بداية الثمانينات وحتى الآن. ومقارنتها بمستوى النمو والتنمية الاقتصادية في دول أخرى.

صفوة رأسمالنا البشري

لا يبني الأمم إلا عقول أبنائها، وما من دولة وصلت لمصاف الدول المتقدمة، إلا وكان أهم استثمار لها هو الاستثمار بالعقول والمعرفة. مشروع الملك عبدالله للابتعاث أحد أنجح المشاريع التعليمية – برأيي – والتي ستسهم في زيادة وتطوير رأسمال المال البشري. لأن كثيرا من جامعاتنا تحتاج سنوات طويلة حتى تواكب جامعات العالم في ناحية المستوى وجودة المخرجات. كما أن عدد المقاعد الدراسية في جامعاتنا للتخصصات المهمة مثل الهندسة والطب وغيرها لا تتناسب مع احتياجات اقتصاد يحاول النمو والتحول لاقتصاد منتج ومستدام ولا يعتمد على عوائد النفط.

ورغم أن برنامج الابتعاث يعتبر خطوة إيجابية جدا، إلا أن الاستفادة يمكن أن تكون أكبر إذا تم التركيز على الكيف أكثر من الكم، فبالإضافة إلى أن كثيرا من المبتعثين يفشلون في إكمال البعثية لسوء التحضير وسوء مخرجات التعليم العالي، فإن من يكمل البعثة قد يتخرج من جامعات متدنية المستوى. وقد تكون استفادته الرئيسية هي إتقان اللغة الإنجليزية وليس حمل المعرفة القادرة على إثراء الاقتصاد وبناء مستقبل البلد.

فحسب أحد الدراسات، فإن نسبة المبتعثين السعوديين الذين يدرسون في جامعات النخبة (كهارفارد، وأوكسفورد، وستانفورد) قليل جدا مقارنة ببقية الدول التي تبتعث بكثرة للخارج مثل الصين والهند. حيث لا تتجاوز نسبة السعوديين في جامعات النخبة 0.52%. أي أنه من بين كل 200 مبتعث هناك مبتعث واحد يدخل لأحد جامعات النخبة. مقارنة بأكثر من 2.7% للمبتعثين من الهند وأكثر من 5.31% للمبتعثين من الصين.

يجب على القائمين على برنامج الابتعاث ومسؤولي الحكومة أن يرسموا خطة استراتيجية لزيادة أعداد الخريجين من جامعات النخبة بالعالم. فهؤلاء سيشكلون نواة مهمة في رسم المستقبل وبنائه، ويجب أن يكون هناك محفزات جاذبة تغري مزيدا من الطلبة للعمل من أجل دخول أحد هذه الجامعات، ويمكن استخدام الحافز المادي المباشر، كدعم حكومي لمرتبات خريجي هذه الجامعات بعد عودتهم بنسبة 30% أو 50% أو حتى أكثر مع ضمان وظيفة بحد أدنى من الراتب في القطاع الحكومي لا يقل راتبها عن 25 ألف ريال مثلا في حال لم يجد وظيفة في القطاع الخاص. وبذلك سيعرف من يعمل جاهدا لدخول هذه الجامعات والتخرج منها أن هناك مردودا واضحا لمجهوده وسيقاتل كثير من الشباب في وقت مبكر من أجل الاستعداد والتحضير للحصول على قبول في هذه الجامعات والتخرج منها.

لماذا عادت أمريكا للصناعة؟ (2/2)

"القتال من أجل الصناعة الأمريكية هو القتال من أجل مستقبل أمريكا" هكذا أعلنها الرئيس أوباما في أحد خطاباته بعد الأزمة المالية الأخيرة. استوعب صناع القرار في أمريكا بعد حوالي عقدين من الاحتفاء بالاقتصاد الجديد – الذي يشمل في غالبه على قطاعات غير صناعية – أن الصناعة يجب أن تستمر ركنا أساسيا في أي اقتصاد يبحث عن النمو المستدام وخلق الوظائف المناسبة لكل شرائح المجتمع. تآكل القطاع الخاص الصناعي في أمريكا أدى إلى فقدان الملايين من الأمريكيين لوظائفهم، وأكثر المتضررين هم من كان من الطبقة المتوسطة ممن لا يحملون مؤهلات علمية عالية، حيث أن الصناعة، وعلى عكس كثير من القطاعات الأخرى، قادرة على توفير وظائف بمرتبات عالية حتى لو كان الموظف لا يحمل مؤهلا عاليا، وتشير الأرقام أن معدلات الرواتب في القطاع الصناعي تزيد عن معدلات الرواتب في القطاعات الخدمة بأكثر من 15%. "الصناعة كان ينظر لها دائما أنها ركن ضروري لأي اقتصاد قوي. فهي تخلق ملايين الوظائف عالية الدخل لأولئك الذين يحملون فقط شهادة الثانوية، والذين يمثلون شريحة كبيرة من المجتمع. لا يوجد قطاع آخر يسهم في رفع إنتاجية الدولة بشكل عام كما تسهم الصناعة، حسب رأي الاقتصاديين" النيويورك تايمز – 2009.

لا يوجد دولة بالعالم أقدر من أمريكا على أن تنمي قطاعاتها الخدمية وقطاعاتها المعتمدة على الابتكار أو البرمجيات أو الترفيه أو السياحة، فلدى أمريكا أفضل جامعات العالم وأفضل مراكز الأبحاث، وفيها وادي السيليكون منبع غالبية شركات الإنترنت والتقنية التي يعتمد عليها أغلب سكان الأرض، وهوليوود أكبر منطقة لإنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية، بالإضافة لأكبر شركات الاستشارات الإدارية والمحاسبة، ورغم ذلك، لم يستطيع الاقتصاد الأمريكي أن يحافظ على زخمه وقوته بمجرد أن بدأت الصناعة بالتآكل والاضمحلال، مع العلم أن التآكل لم يكن بالحجم الذي يتصوره البعض، فالانخفاض في الإنتاج الصناعي وتباطؤ نمو القطاع الصناعي كان صغيرا، ورغم ذلك كان التأثير كبيرا وآثاره السلبية اتضحت بشكل سريع على حيوية الاقتصادية وعلى معدلات البطالة. "الهدف هو إيقاف تباطؤ الصناعة. لقد كانت الركن الذي بنيت على أساسه الطبقة المتوسطة، من الصعب أن أجد طريقة أخرى لبناء تلك الطبقة من دون إعادة إحياء النمو الصناعي" ثي ليي -رئيس سياسات اتحاد العمال للمنظمات الصناعية الأمريكية.

إذا كانت أمريكا عاجزة عن التخلي عن الصناعة، ولا يمكن لاقتصادها أن يستمر بالنمو والحفاظ على المستوى المعيشي لمواطنيها من دون صناعة، فما بالك بالدول الأخرى، خاصة تلك الدول التي ليس فيها أي أفضلية علمية أو بحثية. الصناعة هي قلب الاقتصاد والقطاعات الأخرى شرايينه، لا قيمة لأي شريان من دون قلب.

مقالات متعلقة:

  1. لماذا عادت أمريكا للصناعة؟ (1\2)

لماذا عادت أمريكا للصناعة؟ (1\2)

في منتصف التسعينات ساد رأي عام بين المحللين وصناع القرار في أمريكا أن المستقبل هو للاقتصاد الجديد، وأن الصناعة (الصناعات التحويلية) في طريقها للأفول. الاقتصاد الجديد هو كل القطاعات التي تندرج تحتها البرمجيات، الإنترنت، الترفيه، الخدمات المالية، وغيرها من الخدمات المتقدمة. كان الزخم شديدا تجاه تلك القطاعات الجديدة، قمة الاندفاع تجاه الاقتصاد الجديد – كما يسمونه – تمثل في فقاعة الإنترنت في سوق الأسهم الأمريكية (فقاعة الدوت كوم) التي كانت بين عام 1997 و2000 ووصلت ذروتها في مارس 2000، وبعدها انفجرت تلك الفقاعة في 2000-2001.

ترافق هذا الزخم مع تزايد انتقال صناعات كثيرة للدول النامية خاصة الدول  الآسيوية وعلى رأسها الصين، وكان كثير من الاقتصاديين يجادلون بأن تلك مرحلة حتمية، ينتقل فيها الاقتصاد من القطاعات التي تتطلب يد عاملة رخيصة إلى قطاعات أخرى ذات قيمة مضافة أكبر. ولكن ما لم يتنبه له كثيرون أن تلك المصانع كانت توظف شريحة كبيرة من أصحاب المؤهلات المتدنية (أقل من جامعية)، وكانت تلك الوظائف توفر لهم مستوى معيشي مناسب جدا، يجعلهم في مصاف الطبقة المتوسطة. الأمر الآخر أن القطاعات غير الصناعية بطبيعتها أقل قابلية للتصدير، فالخدمات تشكل أقل من ثلث الصادرات الأمريكية رغم أن نسبة الصناعة من إجمالي الاقتصاد لا تتجاوز 20%. بالتالي فقد أدى تآكل القطاع الصناعي لارتفاع العجز التجاري وهو الذي بدوره أدى لارتفاع عجز ميزان الحساب الجاري، أي أن أمريكا تستهلك من العالم أكثر مما تعطي أو تنتج. هذا العجز في ميزان الحساب الجاري يجب تغطيته من خلال بيع سندات أمريكية أو أصول أمريكية، فالذي يحدث فعليا أن أمريكا تبيع جزءا من نفسها بشكل مستمر من أجل أن تستورد وتستهلك من العالم، وسنة بعد سنة تتراكم الديون على أمريكا حتى وصلت لأرقام قياسية غير مسبوقة وتجاوزت في السنوات الأخيرة 16 ترليون دولار (60 ألف مليار ريال). لم تتوقف سلبيات انتقال المصانع للخارج عند هذا الحد، الذي حدث أنه حتى القطاعات الأكثر تقدمات كالأبحاث والتطوير والتصميم بدأت بالانتقال للخارج، حيث تبين أن هذه القطاعات تنمو وتزدهر بمجرد نشوء الصناعات، لذلك فقد بدأت كثير من وظائف الخدمات الهندسية وغيرها من الخدمات المتعلقة بالانتقال للخارج.

هذا التآكل في القطاع الصناعي لم يكن قابلا للاستدامة، وبدأت بوادر الأزمة تلوح خلال العقد الماضي حتى وصلت ذروتها عند الأزمة المالية العالمية في 2007-2008. فتحت تلك الأزمة الباب لصناع القرار في أمريكا لإعادة توجيه الدفة في الاتجاه الصحيح، وبدأت عملية الإصلاح وإعادة أحياء القطاعات الصناعية ودعمها.

الصناعة في سويسرا وسنغافورة

في المقال الماضي قمنا بمقارنة الإنتاج الصناعي في الاقتصادات المتقدمة ذات الكثافة السكانية، وتبين أن كل تلك الدول بلا استثناء لديها قطاع صناعي ضخم، وكان معدل إنتاجهم الصناعي السنوي للفرد حوالي 20 ألف ريال، مقارنة بأقل من 5600 ريال في السعودية. وفي هذا المقال سأسلط الضوء على دول صغيرة ومتقدمة اقتصاديا، وبنفس الوقت عرف عنها أنها لا تعتمد على الصناعة، وهذه الدول هي سويسرا وسنغافورة.

هناك انطباع سائد أن سويسرا التي لا يزيد عدد سكانه على 8 مليون تعتمد في اقتصادها على الخدمات البنكية، وأن ذلك هو سبب ثراؤها وتقدمها الاقتصادي، نفس الأمر ينطبق على سنغافورة التي لا يتجاوز عدد سكانها 5 ملايين، ويعتقد كثيرون أن اقتصادها يعتمد على الخدمات اللوجستية وعلى الخدمات المالية والسياحة. كلا الانطباعيين يثبت خطؤهما بمجرد تفحّص الأرقام الصناعية لتلك الدولتين.

في سويسرا يتجاوز حجم الإنتاج الصناعي الإجمالي سنويا 350 مليار ريال، أما ناتج الفرد الصناعي السنوي فيصل لأكثر من 45 ألف ريال، مقارنة بأقل من 5600 ريال في السعودية. أما في سنغافورة فيصل إجمالي الإنتاج الصناعي سنويا لأكثر من 165 مليار ريال، وناتج الفرد الصناعي السنوي حوالي 32 ألف ريال سعودي.

من جديد تثبت الأرقام أنه لا يمكن بناء اقتصاد متقدم ومنتج من دون وجود قاعدة صناعية قوية، وأنه لا أساس لأغلب ما يروج بخصوص إمكانية النمو اقتصاديا بالاعتماد فقط على الخدمات أو غيرها من القطاعات الاقتصادية غير الصناعية.

لماذا لا يمكن بناء اقتصاد متقدم وقوي من دون صناعة؟ لأننا من خلال الصناعة يمكننا إنتاج سلع قابلة للتداول والتصدير، وتلك السلع يمكن مقايضتها مع سلع أخرى يتم شراؤها من العالم، أغلب القطاعات غير الصناعية – بطبيعتها – لا ينتج عنها سلع قابلة للتداول. ولذلك فمهما كانت تلك القطاعات غير الصناعية كبيرة، فإنه لا يمكن الاستفادة منها لاستيراد سلع من بقية دول العالم. هذا لا يعني بالطبع أن القطاعات غير الصناعية غير مهمة، بل هي ضرورية وحيوية أيضا، بل أن القطاع الصناعي لن يكون قادرا على النمو والعمل بكفاءة من دون وجود قطاع خدمي يرفد نموه، ولكن يبقى الأساس أن رفاهية المواطن وقدرة الدول على المنافسة الاقتصادية العالمية يجب أن تبدأ من خلال تنمية قطاعها الصناعي وبقية القطاعات تنمو تباعا.

الصناعة هي الحل

لا يختلف اثنان أن اقتصادنا يعتمد حاليا على مصدر دخل رئيسي واحد وهو النفط، ولا يختلف أحد ايضا أن هناك خطورة شديدة في الاعتماد على النفط، لأن النفط سلعة ناضبة، وسيأتي وقت لن يكون النفط كافيا للمحافظة على نمو الاقتصاد أو المحافظة على المستوى المعيشي للمواطن، ولذلك فإن غالبية الاقتصاديين والمختصين يطالبون دائما بالبدء بتنويع حقيقي للاقتصاد، حتى نتمكن من الانعتاق من اعتمادنا شبه الكلي على النفط، وحتى المسؤولين في الدولة يشيرون أيضا لأهمية تنويع الاقتصاد ويتحدثون باستمرار عن خطط ذلك التنويع. لكن رغم اتفاق الغالبية على أهمية تنويع الاقتصاد، وأهمية إيجاد بدائل لهذا الاقتصاد، إلا أن هناك اختلافا في الاستراتيجية التي يجب اتباعها حتى يمكن بناء اقتصاد مستدام متين لا يعتمد على سلعة واحدة وهي النفط.

بعض المنادين بتنويع الاقتصاد يشيرون إلى أهمية القطاع الخدمي في تسريع النمو الاقتصادي، وأنه البديل الأمثل والأنسب لاقتصادنا، وبعضهم ينادون بما يسمى اقتصاد المعرفة، وهو مصطلح فضفاض، لا يتفق اثنان على تعريف واحد له، وللأسف، فإن اقتصاد المعرفة أصبح المصطلح السائد على ألسنة المسؤولين، رغم أنه لا يعبر عن شيء واضح الملامح. وأخيرا، وهو الرأي الذي أتفق معه، هناك من يعتقد أن الصناعة هي السبيل الوحيد للتحول الحقيقي لاقتصاد منتج مستدام لا يعتمد على النفط.

الصناعة هي جوهر النمو الاقتصادي، ولا يوجد أي اقتصاد متقدم بدولة كبيرة نسبيا لا تشكل الصناعة عنصريا رئيسيا فيه. ولتوضيح الصورة، فقد قمت بحساب الناتج الصناعي للفرد – حسب الأرقام المنشورة في البنك الدولي – في جميع الدول التي يقترب عدد سكانها من عدد سكان السعودية أو يزيد، وبنفس الوقت يقترب فيها دخل الفرد من الناتج القومي لدخل الفرد بالسعودية أو يزيد، وقارنته بالناتج الصناعي للفرد في السعودية. وتتضمن قائمة تلك الدول: اليابان، ألمانيا، أمريكا، كوريا الجنوبية، هولندا، إيطاليا، كندا، استراليا، فرنسا، إسبانيا، والمملكة المتحدة. أعلى دولة في الإنتاج الصناعي هي أمريكا، بإنتاج يتجاوز 6.6 ترليون ريال، وأقل دولة كانت استراليا التي كان إنتجاها الصناعي حوالي 369 مليار ريال سعودي، أما السعودية فلم يتجاوز إنتاجها الصناعي 164 مليار ريال سعودي. لكن الرقم الأهم ليس حجم الإنتاج، وإنما حجم الإنتاج للفرد، حيث تصدرت اليابان حجم الإنتاج للفرد بحوالي 31 ألف ريال سنويا للفرد، والأقل كان المملكة المتحدة بحوالي 14 ألف ريال سنويا للفرد. أما السعودية فلم يتجاوز الإنتاج الصناعي السنوي للفرد 5600 ريال. أما معدل الإنتاج الصناعي للفرد سنويا في تلك القائمة فبلغ حوالي 20 ألف ريال.

الرقم المنخفض للسعودية الذي لم يتجاوز 5600 ريال مقارنة بمتذيلة الدول وهي المملكة المتحدة بحوالي 14 الف ريال، لم يأخذ بالاعتبار أن أغلب الإنتاج الصناعي في السعودية هو انتاج البتروكيماويات، التي تعتمد على الغاز الرخيص، والتي قد تشكل أكثر من 50% من الإنتاج الصناعي، أي لو استثنينا انتاج البتروكيماويات فإن انتاج الفرد الصناعي لن يتجاوز 3000 ريال للفرد.

المعدلات المرتفعة للإنتاج الصناعي للفرد في الدول المتقدمة اقتصاديا، تدل بشكل واضح أن كل المزاعم بأنه يمكن تنويع الاقتصاد وبناء اقتصاد منتج من دون التوجه للصناعة، هي مزاعم ليس لها ما يثبتها، فكل دول العالم، حتى التي نعتقد أنها تخلت عن الصناعة، ما زالت تعتمد بشكل كبير على الإنتاج الصناعي، ومن دون ذلك الإنتاج لن تستطيع تلك الدول المحافظة على المستوى المعيشي لمواطنيها ولا على متانة اقتصادها.

إن كنا نريد أن نضع استراتيجية واضحة الملامح، بعيدة عن الخطط الفضفاضة – كالاقتصاد المعرفي، فأفضل مؤشر هو مستوى النمو الصناعي ومدى قربنا من مستويات الإنتاج العالمية، فليكن هدفنا أن يصل انتاج الفرد لأكثر من 20 الف سنويا خلال عشرين سنة من الآن، وبذلك نضمن أن الأجيال القادمة يمكنها أن تحافظ على نفس المستوى المعيشي، سواء بقي النفط أو نفد.